الإثنين , 18-ديسمبر-2017
الرئيسية / منوعات / صراع العروش بين المحمدين: ابن نايف وابن سلمان
ولي العهد السعودي، محمد بن نايف (يسار الصورة) ومحمد بن سلمان (يمين) ولي ولي العهد

صراع العروش بين المحمدين: ابن نايف وابن سلمان

المملكة اليوم-

تزايدت الشائعات والأحاديث الجانبية حول الصراع حول السلطة، والتقلبات والمؤامرات التي تتم حياكتها داخل أسوار العائلة المالكة السعودية. وإذا احتدم هذا الصراع فعلا، فإنه سوف تكون له تبعات خطيرة تتجاوز حدود المملكة العربية السعودية.

مثل صعود محمد بن سلمان بشكل مباغت وغير متوقع، بفضل وجوده تحت مظلة والده، حدثا أثار اهتمام العديد من المتابعين داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، في ظل تردد الشائعات حول كونه يخطط لتجاوز دوره في صف ولاية العهد والإطاحة بابن عمه ولي العهد محمد بن نايف، بموافقة والده الملك سلمان.

عندما تولى الملك سلمان قيادة البلاد في 2015، تجاهل بشكل كامل هيئة البيعة، التي أنشأها الملك الراحل عبد الله من أجل تنظيم عملية انتقال السلطة ولتحقيق رغبته في أن يحترم سلمان نظام ولاية العهد، الذي وضعه هو قبل وفاته.

ولكن في ظل نظام ملكي مطلق لا توجد فيه تحديدات قانونية، قام سلمان بإعادة خلط الأوراق داخل القصر دون أن يجد أي اعتراض، إلا أن هذا أطلق العنان لشائعات حول وجود خلافات بين أجنحة العائلة المالكة.

شائعات قوية

إحدى هذه الشائعات تركز على الخصومة بين المحمدين، حيث أنها تشير إلى أن محمد بن سلمان يستعد للتخلص من ابن عمه محمد بن نايف، في مسعى لضمان خلافة العرش مباشرة بعد وفاة والده.

وتستمد هذه الشائعة قوتها من الصعود المفاجئ لهذا الشاب البالغ من العمر 33 سنة، الذي يعكف الآن على تعزيز نفوذه وإشعاعه الدولي عبر إجراء سلسلة من اللقاءات مع وسائل إعلامية عالمية مرموقة، والقيام بزيارات منتظمة للولايات المتحدة. وترتكز هذه الشائعة على عدد من الحقائق، وبذلك تضفي بعدا سياسيا على صراع السلطة بين قادة العائلة الحاكمة.

أما الشائعة الثانية، فهي تدور حول الإخوة الناقمين للملك سلمان، ومن بينهم الأمراء أحمد وطلال؛ إذ أن هؤلاء تعرضوا إبعاد واضح تم تفسيره بأنه دليل على أنهم يخططون لعودة قوية، ليقفوا في وجه طموحات الملك بضمان انتقال العرش إلى ابن أخيه وابنه.

يذكر أن الأمير طلال كان قد وجه انتقادات للأمير نايف عندما أصبح وليا للعهد في 2005، وأعلن أنه ليس مضطرا لإعلان البيعة له إذا أصبح ملكا. وبسبب سنه وحالته الصحية، فقد بات طلال بعيدا عن دائرة الضوء، إلا أن هذه الحادثة لا تزال حاضرة في الأذهان.

هنالك شائعة ثالثة تدور حول الجيل الثاني من الأمراء، والمعنيون هنا بشكل خاص هم الإخوة غير الأشقاء لمحمد بن سلمان، وهم متعب ابن الملك عبد الله، وعبد العزيز ابن الملك فهد، بالإضافة إلى أمراء آخرين شبان أقل شهرة، بعضهم من أبناء الملك سعود.

من يعرف الحقيقة؟

في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، فإن السعوديين إما أنهم سوف يتابعون بشغف كيف سيقوم محمد بن سلمان بالإطاحة بابن عمه الذي يكبره سنا، بينما لا يزال والده حيا، أو أنهم سوف يظلون غافلين عن هذه الدراما الملكية. ولكن في كل الحالات فإنهم سيظلون يتناقلون الشائعات حول الأمراء المبعدين والغاضبين.

وفي ظل تجميع عديد الصلاحيات في يد محمد بن سلمان، من بينها القوة الناعمة الذي يمثلها الإعلام السعودي، والعلاقات الخارجية القوية عبر مؤسسات العلاقات العامة التي يعتمد عليها، فإنه من الصعب توقع وجود تحديات كبيرة تحول دون تتويجه كملك في المستقبل. أما محمد بن نايف فكل ما يستطيع أن يأمله هو أن يصبح ملكا بشكل شرفي، تماما كما كان الحال مع الملك خالد (1975-1982) الذي فسح المجال للأمير فهد لأخذ القرارات الهامة وتسيير شؤون المملكة إلى حدود سنة 2005.

ولكن السعوديين اليوم يبدون غير منخرطين في هذا الصراع على السلطة بين المحمدين. إذ أنه في حال نشوب صراع بعد وفاة الملك سلمان، فإنه من المؤكد ستكون له تبعات خطيرة وسيمثل ضربة للسلالة الحاكمة للسعودية ومستقبل بيت آل سعود، كما أن هذا الخلاف قد يؤدي إلى أزمة تتعلق بمدى شرعيتهم.

مثل هذا الصراع سيكون أكثر حدة بما أن التنافس على السلطة لم يعد ممكنا كتمانه ومحاصرته داخل دوائر العائلة المالكة. ورغم أن عائلة آل سعود نجحت في إقصاء كل مجموعات الضغط ودوائر النفوذ التي يمكنها أن تسبب نشوب سباق على السلطة، فإن الخصومة في العائلة المالكة قد تحدث شرخا عميقا.

وقد قام الملك سلمان وابنه بالتخلص من عدد من كبار السن داخل العائلة المالكة، على غرار أحمد، الأخ الشقيق للملك، وطلال ومقرن. هؤلاء كلهم أصبحوا الآن جزء من الماضي وليس الحاضر أو المستقبل.

كما نجح الملك في إبعاد بعض رجال الدين البارزين، الذين كان يتم الأخذ بمشورتهم في الماضي، خاصة في خضم الخلافات بين الأمراء، مثل الصراع الذي نشب في بداية الستينات على السلطة بين الملك سعود وولي العهد فيصل.

وتحت حكم سلمان تم الزج بمعارضين ونشطاء بالمجتمع المدني في السجن، واجتثاث كل منظمات حقوق الإنسان الناشئة، عبر موجات متتالية من القمع والاحتجاز.

وفي ظل غياب مؤسسات دائمة غير العائلة المالكة، ووجود المحمدين الآن في السلطة، فإن الصراع على الحكم أو حدوث حالة فراغ سوف تكون لها عواقب لا يمكن توقعها، وتبعات خطيرة تتجاوز حدود المملكة السعودية.

أما السعوديون المعزولون تماما عما يحدث داخل الدوائر الملكية، فإنهم يلتجئون لمتابعة الشائعات حول هذه الأحداث، حتى يظفروا بنظرة على هذه الدراما التي تدور رحاها في الخفاء. وفي الأثناء هم يظلون مبعدين تماما، ومجرد متفرجين على ما يدور داخل القصر.

ويردد عديد السعوديين مقولة شائعة مفادها أن “من يعرفون خفايا انتقال الحكم لا يتكلمون عن ذلك، ومن لا يعرفون شيئا يثيرون الكثير من الضجيج”. إلا أن هذه المقولة يتم ترديدها في الغالب من قبل التابعين للنظام الحاكم، ليؤكدوا على حقيقة أن 28 مليون شخص في السعودية يعيشون حالة تهميش تامة، تحت نظام حكم ملكي مطلق لا يؤمن بضرورة استشارتهم أو إشراكهم، ناهيك عن السماح لهم بالحديث عن الغموض السياسي ومناقشة مستقبل أهم المناصب السياسية في المملكة.

النجم الصاعد وأمير الظلام

الشعب السعودي لا يمكنه أن يقف في طريق الشاب الطموح محمد بن سلمان، الذي حقق لنفسه البروز بفضل دعم والده على حساب آخرين ليسوا فقط من أشقائه، بل على حساب دائرة واسعة من الأمراء الطموحين. والسعوديون اليوم لا يمكنهم مناقشة الصراع على ولاية العهد بشكل علني أو الإدلاء بتوقعاتهم، دون إثارة غضب العائلة الحاكمة.

ولا أحد من باقي إخوة سلمان، يستطيع تفهم الخطوة الجريئة التي مكنت الأمير الشاب من الارتقاء على حسابهم، بمن فيهم الأمير أحمد الذي يبدو الآن الشخص الوحيد الذي يمكنه أن ينافس، بما أن الآخرين إما متقدمون في السن، مثل الأمير طلال، أو تم تهميشهم بالكامل مثل الأمير مقرن.

وكل أبناء سلمان الآخرين تم الآن وضعهم في مواقع أخرى مهمة ولكنها أقل قوة، بينما عدد كبير من أمراء الجيل الثاني والثالث، على غرار متعب وزير الحرس الوطني وابن الملك الراحل عبد الله، تم إبعادهم من الصورة.

بعض الأمراء الآخرين، ومن ضمنهم أبناء الملك الراحل فهد الذي تمتعوا بالنفوذ خلال وجود والدهم، وشغلوا مناصب مثل رئاسة البلاط الملكي وإمارة المحافظات الغنية بالنفط، هم اليوم محرومون من أي وظائف حكومية، ولكنهم يتمتعون بثروات كبيرة.

وقد قام سلمان بالتخلي عن هذا العدد الكبير من الأمراء الشبان والكبار الحالمين بالوصول للسلطة، عندما اختار دونا عنهم ابنه الشاب ليكون وجه المملكة على الصعيد الداخلي والإقليمي والدولي.

ولي العهد السعودي محمد بن نايف مع ولي ولي العهد محمد بن سلمان خلال جلسة افتتاح مجلس شورى المملكة في كانون الأول 2016

هذا التركيز الجديد للسلطات في يد الشاب محمد بن سلمان أطلق العنان للتوقعات بشأن توتر العلاقة بينه وبين ابن عمه، الذي يعتبر أكبر منه سنا وسلطة. ويذكر هذا الأخير كان قد ظهر في مرات معدودات في وسائل الإعلام، وظل أغلب الوقت قابعا في الصفوف الخلفية منذ آذار 2015.

إلا أن محمد بن نايف لا يزال يمتلك نفوذا في الدولة العميقة، حيث أنه يتحكم في وزارة الداخلية ذائعة الصيت، والأمن الداخلي، وجهاز مكافحة الإرهاب وجهاز المخابرات، علاوة عن ولاء عدد من رجال الدين والقضاة في المجالين القانوني والشرعي في المملكة.

وبالنظر إلى نفوذه القوي داخل المجتمع السعودي، فإنه بلا شك منشغل الآن بمراقبة كل همسة، ليس فقط يقوم بها المواطن السعودي العادي، بل أيضا همسات أبناء عائلته، وخاصة العدد الكبير من الأمراء الغاضبين الذين قد يقفون ضده إذا صار ملكا.

ويشتهر محمد بن نايف بكونه قد ملأ السجون السعودية بالمعارضين والنشطاء، وهو ما جعله يكتسب لقب أمير الظلام، بما أنه يتحرك باستمرار تحت ستار السرية وبعلة مكافحة الإرهاب. ولذلك فهو على الأرجح سيكون المرشح المفضل لدى أجهزة المخابرات الغربية في واشنطن ولندن.

رجلنا في الرياض؟

ولكن تحت ظل محمد بن نايف، يوجد الشاب محمد بن سلمان الذي يتمتع بدعم والده. ورغم ذلك فقد كان عليه تعزيز سمعته وشرعيته كملك مستقبلي للبلاد، على الصعيدين المحلي والعالمي.

ولذلك سافر بن سلمان إلى واشنطن عدة مرات، لإقناع الرئيس دونالد ترامب وإدارته بأنه هو ملك المستقبل، مغدقا الوعود بضخ استثمارات ضخمة في الاقتصاد الأمريكي، وإبرام عقود لشراء المزيد من الأسلحة، ومتعهدا بأن يكون هو أيضا رجل واشنطن في الرياض في محاربة الإرهاب، وهي مهمة لطالما ارتبطت باسم ابن عمه ولي العهد.

وقد قام محمد بن سلمان بسرعة بإعادة رسم صورة له كأحد الصقور المؤمنين بالليبيرالية الجديدة، والحاكم المستقبلي الذي سيدخل تغييرات جذرية ليس فقط على الاقتصاد السعودي المرتبط بالنفط، بل على المملكة ككل.

إلا أن هذا لم يكن كافيا ليضمن لنفسه مستقبلا داخل المملكة السعودية، فقد نجح لحد الآن لأنه تمكن من إغراء ترامب، الذي رأى في الأمير الشاب نسخة جديدة من شخصيته هو التي لطالما مزجت بين رجل الأعمال ورجل الدولة، واستخدمت المناصب من أجل خدمة المصالح التجارية. هذه الزيجة بين المال والسلطة التي يمثلها الأمير محمد بن سلمان، جذبت الرئيس ترامب بشكل قوي.

وتعتبر الحرب التي أطلقها محمد بن سلمان في اليمن مباشرة بعد تعيينه وليا لولي العد ووزيرا للدفاع في 2015، بالإضافة إلى حربه الثانية على قطر، محاولات من قبله لإظهار قوته على الصعيد المحلي والتفوق على ابن عمه، الذي يبدو أنه التزم الصمت حيال التحالف الحالي بين الرياض وأبو ظبي ضد الدوحة.

هاتان الحربان الإقليميتان، أي حرب اليمن التي تخوضها السعودية بأسلحة فتاكة وغارات جوية، وحرب قطر التي اندلعت بشكل قوي عبر الإعلام والعقوبات التي تم تسليطها عليها ومساعي خلق تحالف إسلامي ضدها، كلها تظهر كيف أن أميرا يمكنه تجميع عديد الشركاء، بمساعدة المستشارين ومؤسسات العلاقات العامة. ويبدو الأمير محمد بن سلمان متأثرا بمعلمه، ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، الذي لديه هو أيضا طموحاته الإقليمية.

تغذية الشائعات

خلال الأزمة المندلعة حاليا مع قطر، بدا محمد بن سلمان جالسا في مقعد القيادة، ويحلق عاليا في معركته ضد حاكم آخر في منطقة الخليج ينتمي لنفس جيله، وهو الأمير تميم بن حمد آل ثاني، بينما بقي محمد بن نايف في ظل ابن عمه الشاب اللامع.

وقد أدت الخطوات الأخيرة المتهورة التي أقدم عليها بن سلمان ضد قطر لتغذية الشائعات من جديد والتوقعات بشأن الصراع الملكي. وقد زادت حدة هذه الشائعات بسبب حقيقة كون ولي العهد لم ينجب لحد الآن ابنا ذكرا، وهو ما يحرمه من القدرة على تعيين ابن له كولي للعهد عوضا عن ابن عمه عندما يجلس هو على العرش.

هذا يضع محمد بن سلمان أمام فرصة مباشرة لوراثة الحكم، على فرض عدم وقوع أي تغييرات في نظام انتقال السلطة، خلال فترة الملك سلمان أو ولي عهده الأمير نايف عندما يصبح هو ملكا.

رغم أنه من المستبعد أن يقدم الأمير الشاب على تحدي نظام انتقال السلطة على المدى القصير، فإن أي صراعات مهما كانت صغيرة في أعلى الهرم ستكون لها تأثيرات مزلزلة يمتد صداها على كامل المملكة والمنطقة برمتها.

ولكن في المملكة السعودية، لا شيء مضمون، ولا شيء يمكن توقع حدوثه وفقا لمخطط منطقي. إذ ان تواصل هذه السلالة الحاكمة، والغموض الذي يحيط بها، مرتبط بشكل قوي باستحالة توقع ما يحدث داخلها حتى في أعلى هرم السلطة.

ولكن في الوقت الحالي فإن عائلة آل سعود وأمراءها الحاكمين قرروا إشغال أنفسهم بحروب إقليمية ضد جيرانهم، مثل ما هو الحال مع اليمن وقطر، كنوع من صرف الانتباه عن الصراع الخطير على السلطة.

بقلم: د. مضاوي الرشيد – ميدل إيست آي

شاهد أيضاً

فرنسا “تقيّد” الأطفال في شبكات التواصل

المملكة اليوم- عرضت الحكومة الفرنسية، الأربعاء، مشروع قانون على البرلمان يشترط إلزام جميع الأطفال دون …