الثلاثاء , 21-أغسطس-2018
الرئيسية / أخبار محلية / برج مراقبة (2): تحسست برفق العُشاق جسد بندقية الـ M4
(نشامى حرس الحدود) (هيك بقول) محمد الوكيل ، الذي أتمنى لو يكون مكاني لساعة .. وسأتنازل له عن الـ 438 راتبي الشهري

برج مراقبة (2): تحسست برفق العُشاق جسد بندقية الـ M4

المملكة اليوم-

أنا الرقيب جعفر /مرتب حرس حدود . أنا الآن ب (كابينة) القيادة . أقصد البرج… تفقدّت موجوداتي ، تحسّست برفق العُشّاق جسدَ بندقية ال M4.. ، بيني وبين بندقيتي حميميّةٌ لا يُدركها غيري، أحشاؤها محشوّةٌ بنارٍ مفتاحها بإصبعي ، وبأحشائي نارٌ مفتاحُها رأسي ، ومناقشات النواب للبيان الوزاريّ… منظاري بكامل الجُهُوزيّة .( تمام سيدي) . أمامي شاشة خضراء كحقل البسباس البريّ ، الذي ينتظمُ تحتي بطابور مسائيّ رتيب ، تودّيعا لبقايا أشعةٍ جَهِدت الشمسُ بلملمتها عن تيجانه الصفراء الذابلة .
ليلُ وادي اليرموك ، سُرياليٌّ بكل ما فيه ، ليلٌ عميقٌ غامضٌ مخيف . بأمّ أذنيك.. تسمع وشوشات الصَفصَاف وعويلَ عرائس الدفلى ، تطوّحُ بها رياحٌ غربيةٌ تسللت من غور الأردن ، وسيمفونيةً ماجنةً لاوركسترا يشارك بها نهرٌ عجوز ، بنشيجٍ يبعث فيك رائحة موتٍ بطيء ، وقطعانٌ من خنازيرَ غريبة اجتازت الحدود بلا رقيب ، استباحت بلهاثها ولعابها وعبثها كل ما في الوادي من قدسيّة .
الآن … ، يتنقّل بي رأسي من محطةٍ لأخرى… بلا مناسبة ، تتملّكني صورةُ طائرةٍ بدائية، عبثت بها أصابعُ بريئة . عيدانُ قصب، وورقُ أكياس الإسمنت ، وخيوطٌ بيضاء سرقتُها من صندوق عرس أمي المصدّف. طائرتي.. أقودها الآن بخيطٍ ؛ ظننتهُ حبلا سريّا لطفولتي . ونسيت فجأةً أن رفاقي الصبية ، كانوا يركضون ورائي بإصرار ، يمسكون بأجنحة القصب المتكسّرة ، علّ هبةَ هواءٍ تأتينا من خلف بيادر قمح ، امتلأ مجالها الجويّ بأسراب السنونو. بعض الصبية يتشبثون بذيل الطائرة …قماشٌ لوحته شمسُ القرية المنسيّة .
طائرتي أقلعت رغما عني، وحملت معها صبيان الحيّ.. غادرت ، وغادر معها زغبُ الوجوه السمراء ، وطيورُ السنونو وحقولُ العدس وأعشاشُ الحمام البريّ ، وفخاخُنا وخيوطُنا وحكاياتُنا . تركتني وحيدا على قارعة بيدرٍ بلا قمح ، بلا سنونو ، بلا حكايات ، تركتني وحيدا ببطن هذا البرج ، وحيدا أقارنُ بين راتبي ال 438 مع القسط الجامعيّ لأختي ال 555 دينارا… ع (فكرة أنا مُعيلها الوحيد ) .

نعم سيدي … لا شيء سيدي … حاضر سيدي 
اعذروني… على الهاتف قائدُ الفصيل .. واعذروني، لن أبوحَ عمّا سأل ، وماذا طلب .
(نشامى حرس الحدود)
(هيك بقول) محمد الوكيل ، الذي أتمنى لو يكون مكاني لساعة .. ساعةٌ واحدة …وأنا سأتنازل له عن ال 438 راتبي الشهري ، بدل ساعة مناوبة .. أظنه عرضا مغريا .
نعم.. نشامى حرس الحدود ، نحن نشامى الجوع والعطش والصمت ، سلالة قبيلة النشامى ، نتذاكر كل مساء آباءنا وأجدادنا ، ببساطتهم ، ببساطيرهم القديمة ، منطرحين بها أمام بقالات قرية بائسة . تصبغ شواربهم بقايا التبغ الهيشيّ ، ويتلفّعون بمعاطف الدرك القديمة ، التي خبأت بطولات (السريّة الرابعة) في شعفاط وباب الواد ، ، أسماء لا ينفكّون عن ترديدها : عبدالله التل ، حابس المجالي ، ومحمود الموسى . وحين يصل منسوبهم في القصّ ، حدّا لا يستطيع طفل ( أقصد أنا ) استيعابه ، يرفع أحدهم عقيرته بشعرٍ لـ حابس المجالي :
ماريد أنا هدنتن يا كلوب …. خلي البواريد رجّادة..
بيوم القيض وبحر الشوب… والنار بالجو وقّادة … الخ الخ
يتمايلون وتهتزّ شواربهم ، وتدمع عيونٌ سرقت هزائمُ الربع رموشَها ، وضيّقت أحزانُهم انفراجتها ..
أسماء لا أعرفها ، لا أنا ولا رفاق سلاحي ، لكننا نعرف أبطال التخاصيّة ، وأسماء هيئاتنا . ونحفظ وعودَ وخطابات نوّابنا .
صورة الرجل الأنيق الملتحي ،الذي رصدته عينيّ زميلي في منظار البرج المجاور يتوسط الشاشة ، تبعث فيّ الخوف (يا اخوان ) … لا تغادرني الصورة ، رغم أنني لم أراها ، تماما مثل تراكمات ماضٍ مُرعب ، وهواجس وممنوعات وحكايات الجدّة عن الغولة والضبع ، الذي اقتحم عليها فرن الطابون . والضاوي (الثعلب) الذي كان يسطو على دجاجاتها ، والساحر الذي استقدمته زوجة السلطان من بلاد الواق واق ، ورائحة رجالٍ بلا شوارب ، بلا أسماء قبائل ، روائحُهم لا تزال عالقةً بأوراق شجرة التين التي سطوا عليها ، حين كان رجال القرية يحيون ليلةَ عرس مختار القرية، بكوفياتهم وضجيج أصواتهم الجوفاء .
انتهت الساعة الأولى .
نعم سيدي … لا شيء سيدي …. يتبع

كتب: تقي الدين عبيدات

شاهد أيضاً

الطيارون الأردنيون يحلقون على متن “سو-30″ و”سو-34” الروسيتين

المملكة اليوم- أعلن مدير الإدارة الفيدرالية للتعاون العسكري والتقني دميتري شوغاييف أن الطيارين الأردنيين سيشاركون …