الأحد , 23-يونيو-2024
وسيحسمها القصر...
بهدوء الحكيم ودقة العسكري يصيب الهذف دائماً

وسيحسمها القصر…

المملكة اليوم -

كتب رشيد أبو الهدى- حالة الغليان الداخلي والتجاذبات الآخذة بالاتساع بين محركات النخب السياسية وصلت مدى غير مسبوق، فبيان اللجنة الوطنية العليا للمتقاعدين العسكريين وما تبعه من تفاعلات يؤشر أن أزمة حقيقية تواجهها النخب الأردنية في رؤيتها ومنهجها وأدواتها.

فالحل الذي أخذه بعض رجال الدولة على عاتقهم من إصدار بيانات أو وثائق للتوقيع أو تصعيد غير مدروس، حوّل المشهد السياسي إلى لوحة سوريالية يعجز عن قراءتها حتى من خبر السياسة أو عرف بواطنها.

إلا أن حجم الاحتقان الذي ظهر بالتعاطي مع مسألة الهوية الوطنية وما يتفرع عنها، لا يدع مجالاً للشك أن ما قُدِّم من رؤى أو حلول لهذه المسألة لم يكن مقنعاً، وما اقترح كعلاج لم يكن مؤثراً.

العمومية في الحديث عن مصير الدولة الفلسطينية وبوادر اليأس من عدم إمكانية تحققها، دفع كثيرين ليدلوا بدلوهم، ويلامسوا موضوعات حساسة كمفهوم المواطنة، مما خلق تعكيراً في مياه راكدة.

حساسية قضية المواطنة تبرز من أن أحداً لا يملك بين أوراقه سيناريوهات أكيدة لما يخبئه المستقبل، وهذا الأمر وإن جعل القراءات كلها تبدو ضبابية، إلا أنه في الوقت ذاته أعطى لكل قراءة أو محاولة مشروعيتها.

إلا أن قراءة المشهد بما يثيره من غبار يجب ألا تمنع من مشاهدة عدة نقاط ميزت هذا الجدال عما سبقه، ومن أبرز هذه النقاط:

أن الكلمة الأولى نطق بها العسكر، وهي حالة لم تحدث منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، حين قرر العسكر أن يعودوا إلى ثكناتهم ويتركوا دهاليز السياسة، مما أكسبهم المصداقية والاعتراف بدورهم الوطني وأنهم عسكر وطن وليسوا عسكر فئة.

وهو الذي جعلهم في المفاصل الصعبة من تاريخ الأردن يعطون رأيهم بعيداً عن الأهواء الشخصية، فصار للعسكر مؤسسة يثق بها وبرأيها صاحب القرار، أكثر من ثقته بالسياسيين.

مغادرة العسكر مربعهم المؤسسي إلى مربع السياسة دقت جرس إنذار، وإن كان غير مبكر هذه المرة.

أما المسألة الثانية التي ميزت هذا الجدال فهي أن من تصدوا للرد على البيان لم يستطيعوا أن يأتوا بجديد يقنع من يراقب أو من يشتبك بالجدل، وكانت عكازتهم نصوص مجزوءة من الميثاق الوطني الصادر عام 1990، وهو ما يعني أن هؤلاء على اختلاف تصنيفاتهم من حرس قديم أو حرس جديد لا يملكون ما يكفي من خيال سياسي يساعدهم على مقاربة القضية المطروحة بعيداً عن ترديد رتيب لنصوص، مما يدخلهم في باب الوعاظ الذين فقدوا حيلتهم.

والغريب أنهم لم يلتفتوا أبداً لمبادرات ملكية وطنية قد صدرت بعد الميثاق، كمبادرة (الأردن أولاً) ومبادرة (كلنا الأردن)، رغم أن كلتا المبادرتين تحمل بين أدبياتها ما يسعفهم في مقاربة قضية المواطنة، وهما أقرب زمنياً وسياسياً لما يحدث الآن.

فمبادرة (كلنا الأردن) تؤكد تحت بند برنامج العمل الخاص بالقضية الفلسطينية على أن انتشار مظاهر التصعيد والتوتر وعدم الاستقرار في المنطقة وتفشي مناخات الإحباط والغلو والتطرف, هي النتيجة الطبيعية لتعثر عملية السلام والمماطلة في الاتفاقيات المبرمة وعدم التقيد بمرجعيَات عملية السلام وقرارات الشرعية الدولية.

ويبين بما لا يدع مجالاً للشك أن الوصول إلى حل للصراع يمثل احد أهم مصالح الأردن الوطنية وخطوة رئيسة على طريق تحقيق الأمن والسلام والاستقرار في الشرق الأوسط، وذلك من خلال قيام الدولة الفلسطينية المستقلة والآمنة، المتصلة جغرافيا والقابلة للحياة ، لما يشكله ذلك من مصلحة وطنية عليا للمملكة الأردنية الهاشمية، رافضين أي تسوية للقضية الفلسطينية على حساب أمن واستقرار الأردن، وأن يكون الأردن وطناً بديلا، مع الحرص الأردني على أن يكون وطن الفلسطينيين ودولتهم على الأرض الفلسطينية، وليس في أي مكان آخر.

وليضمن الأردن تحقيق مصالحه العليا يشترط في وثيقة (كلنا الأردن) أن يكون طرفاً رئيساً في أية محادثات أو مفاوضات أو محاولات أو جهود تتعاطى مع موضوع اللاجئين الفلسطينيين ، والقدس وترتيبات الحدود ، والمواضيع الأمنية ومصادر المياه، ويعتبر الأردن أن مسألة اللاجئين إحدى مصالحه الوطنية، وإحدى أهم المواضيع التي تهمه في مفاوضات الحل النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فالموقف القانوني للأردن ومصالحه يحتم عليه بأن يكون له دور مركزي في التسوية السياسية والاقتصادية لهذه المشكلة آخذا بالاعتبار حق اللاجئين والنازحين الموجودين في الأردن في العودة والتعويض المناسب، وعملا بقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وتشير الوثيقة أن الأردن تحمل العديد من الأعباء الاقتصادية كونه يستضيف النسبة الأكبر من اللاجئين الفلسطينيين وبشكل استنزف من قدرته الاستيعابية، ولذلك فهو يرفض أي محاولة لتفريغ الأرض الفلسطينية من أهلها كما يرفض استقبال لاجئين جدد حفاظاً على مصالحه وأمنه الوطني.

ولا تغفل الوثيقة أن تؤكد أن العلاقة الأردنية الفلسطينية شأن أردني فلسطيني سياسي مستقل وليست شرطا من شروط التفاوض. مشيرة إلى أن الحديث عن كونفدرالية بين الأردن والسلطة الوطنية الفلسطينية منذ الآن يحول دون قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، ويخلط الأوراق جميعها وفي مقدمتها الحل العادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين وفق الشرعية الدولية، في الوقت الذي يجب فيه تثبيت الشعب الفلسطيني الشقيق على أرضه بهدف الوصول إلى حقوقه الأساسية الثابتة في إقامة دولته المستقلة على تراب وطنه وعاصمته القدس.

وتبدو مقاربة مبادرة كلنا الأردن أقرب إلى الواقع من الميثاق الوطني، بحيث لا تمس بمفهوم المواطنة ولكنها تعطي ضمانات كافية لعدم التجنيس أو تفريغ الأرض الفلسطينية من شعبها، أو القبول بمشروع الوطن البديل، من خلال ضمانات واضحة تتمثل بكون الأردن طرفاً رئيساً في مفاوضات أو حتى محادثات حول قضايا الحل النهائي، وذلك لتحقيق المصالح العليا للأردن.

القفز عن هذه المبادرة بما تحمله من توضيحات وضمانات للمواطنة ولشكل العلاقة الفلسطينية الأردنية خلال الجدل القائم يؤشر إلى عدم الاعتراف بشرعية المبادرة، وهو أمر لا يجوز القفز عنه، أو بحالة مرض في الذاكرة السياسية التي تتذكر الأحداث القديمة ويسقط منها الأحداث الأقرب عهداً.

الجدل بدأ يأخذ منحى غير مجدٍ، واستفزازي في بعض جوانبه، فطرح مبادرة الجنرال أحمد عبيدات للتوقيع العام، ومحاولة جمع تواقيع أكثر من ألف وثلاثمائة أردني، معظمه لا علاقة له بالعمل العام وبعضهم لم يبلغوا سن الرشد، يأخذ القضية من طاولة النقاش الجاد لقضية حساسة ومصيرية إلى طاولة (البروباغاندا)، ويفرغ أي نقاش من مضمونه.

ماذا سيحدث في الخطوة اللاحقة، سؤال مهم كي نعرف ما إذا كان هذا الجدل المهم سيفرغ من محتواه أم سيتصاعد للوصول إلى نتيجة.

مصادر، رفضت ذكرها، أكدت للملكة اليوم أن الجدل اقترب من الحسم، والحسم سيأتي، كما اعتاد الأردنيون، من القصر، بخطاب وطني شامل بعيد عن الجمل العامة والفضفاضة، وستطلق بعد هذا الخطاب المفصلي سلسلة من الحوارات الجادة والعقلانية لوضع محددات واضحة في محاور عدة، أبرزها المواطنة، والعدالة الاجتماعية وإحياء الطبقة الوسطى، والحالة الاقتصادية، وتفعيل مؤسسة القانون والقضاء، بحيث تتوافق القوى الفاعلة والمؤثرة على محددات هذه المحاور لتكون خطة عمل للعقد الحالي.

النطق السامي المنتظر، لن يتأخر، وإن أشارت المصادر أن موعد الخطاب لم يتحدد بعد، وإن رجحت أنه سيكون يوم الخامس والعشرين من الشهر الحالي، في احتفالات الأردن بذكرى استقلاله الرابعة والستين.

ويرى مراقبون أن الجدل سينحى نحو التهدئة خلال الأيام القادمة، فيما يرى آخرون أن الجدل لن يهدأ لعدة أسباب أبرزها أن كل طرف في الجدال يحاول إثبات قوته داخل الشارع الأردني بعيداً عن البحث عن جسور تواصل بينهما لإجراء حوار عقلاني وهادئ.

الأيام القادمة تحمل الكثير من المفاجآت وهي لن تنهي الجدال ولكنها ستضعه على الطاولة المناسبة وبحضور الأشخاص المناسبين.

شاهد أيضاً

السفير الكويتي: العلاقات بين الأردن والكويت متينة وتاريخية

المملكة اليوم - وصف السفير الكويتي لدى الأردن حمد راشد المري، العلاقات بين بلاده والأردن …