الخميس , 13-يونيو-2024

عصر الافتقار للفكر الواضح والرؤية الاستراتيجية

المملكة اليوم -

في عالم يتخلخل فيه كل شيء ، كسفينة تضربها الأمواج من كل جانب ، يبدو العرب ، كإقليم جغرافي ، أو كأقاليم مترابطة ، وليس كإقليم ديمغرافي فحسب ، أكثر حاجة من غيرهم ، فكراً وسياسة واقتصاداً ، لإعادة التفكير في كل شيء ، من أمور حاضرهم ومستقبلهم.

فعالم اليوم ، الذي نعيش فيه ، يشهد تعقيداً غير مسبوق ، وتبدلات جذرية ، على مستوى المناخ والبيئة والديمغرافيا. وفي المعطيات الراهنة لعالم اليوم ، وموازين القوى فيه ، فإن الولايات المتحدة تعاني من انحطاط فعلي ، بعد أن كانت تعاني ، قبل اشهر قليلة ، من انحطاط ممكن ، كما ان اوروبا تعاني حالياً من انحطاط نسبي ، وهو وضع يخلق عالماً يتسم بعدم وضوح الرؤية ، حول المستقبل ، في المديات المنظورة. ولا تبدو التطورات التكنولوجية تشكل اي نوع من المخارج الحقيقية ، لتقود هذا العالم المتخبط باتجاهها.

هنا يصبح الحديث ، برمته ، يتحرك على المستوى الإستراتيجي ، للعالم كله ، أو للدقة على مستوى الفكر “الجيو – استراتيجي” لمواجهة الأخطار التي تهدد العالم ككل. وأبرز الحقائق ، في هذا السياق ، هو حقيقة فشل الاستراتيجيات التي رسمتها المؤسسات اليوم ، وخاصة الحكومات والمجتمعات والأمم. ما يشكل العقبة الأكبر ، أمام تحقيق الصيغة الأفضل ، لما يمكن ويستطيع ان يحققه البشر. فالمجتمعات تعرف ، وتستطيع ، أن تحقق مردودات أعلى من استغلال ثروات العالم ، وبالتالي خلق الثروة ، من رأس المال الانساني المستخدم.

وفي حقائق الفشل الاستراتيجي ، على مستوى العالم ، ان الحكومات فشلت في احلال السلام والازدهار والحرية ، والامبراطوريات ، وتجمعات الدول ، لم تنجح ايضاً في تحقيق قيمة اكبر مما أعطته ، سابقاً (الدول – الأمم). والأمم كذلك ، تماماً كالمجموعات التي تلتقي على اساس إثني أو عقائدي ، لم تستطع ان توفر عدداً كافياً من النُخب المستنيرة ، القادرة على التمتع بقدر من الحب والتعاطف ، الضروريين من أجل معالجة أشكال الخلل التي أنتجتها المنظومات الأخرى. وبسبب الخوف والجشع ، فإن الأفراد يتحملون بعض المسؤولية ، في حالة عدم الاستقرار ، التي يعيشها العالم ، وذلك بسبب عزوفهم واحجامهم عن لعب الدور المطلوب منهم.

وفي سياق الحقائق ذاتها ، فإن العقائد الدينية الكبرى لم تلعب الدور الحاسم ، في احلال السلام والازدهار ، في العالم ، وتأمين الحرية النهائية للبشر بل على العكس ، فإن بعضها دخل في منافسات مع مسارات التقدم العلمي والتكنولوجي ، وكذلك مع المفاهيم الديمقراطية.

هنا يقدم المفكر الأمريكي (كيتان باتيل) ، مؤسس ورئيس احدى المجموعات البحثية ، للفكر الاستراتيجي ، رؤية مختلفة حول مسؤولية الفشل الاستراتيجي على مستوى العالم. فهو يرى ان احد أسباب هذا الفشل يعود إلى أن واقع الفكر الاستراتيجي ذاته “لم يعرف نهضة” ، مثل تلك التي عرفتها قطاعات العلوم الأخرى ، منذ عصر النهضة ، وقادت في ميادين كثيرة إلى تقديم حلول محددة لمشكلات محددة. أما على المستوى الاستراتيجي ، فلم يتم امتلاك الثروة والتنوع ، اللازمين ، من أجل فهم العالم وتوجيهه.

فالاستراتيجيات ، التي تم تبنيها ، كانت ضيقة الأفق وخطيرة ، ذلك انها قادت إلى القيام بحروب لا فائدة منها ، والى تدمير للبيئة ، والى قدر أكبر من المنافسة ، أي إلى عالم “زاخر بالأخطار”.

أما الحل ، أو بدايته ، كما يرى “باتيل” فيكون اولاً على مستوى التفكير الاستراتيجي. بحيث يكون مطلوباً من هؤلاء المبادرين ، أخذ عوامل عديدة في اعتبارهم ، وعلى رأسها الزمن ، والتداخل في العلاقات ، وواقع الثروات ، بحيث تتم إعادة أقلمة الفكر الاستراتيجي مع هذه المستلزمات كلها. فتغيير المؤسسات ، وإصلاح بعضها ، وإضافة البعض الآخر ، هو أولى الضرورات الاستراتيجية ، فتلك المؤسسات هي التي أعطت ، وما تزال تُعطي ، نتائج الفشل ، الذي نعيشه اليوم. وبحسب تعبير (باتيل) ، فإن: الحكومات ما تزال تحكم ، والجيوش تشن الحروب ، والمدارس تمارس التعليم ، والمقاولون والشركات ما زالوا يجنون الأرباح.

 عن صحيفة الدستور

شاهد أيضاً

الشرفات يكتب: العفو العام ومضامين الدستور

المملكة اليوم - حالة السِّجال النِّيابي العدمي الذي رافق مناقشة مشروع قانون العفو العام تنطلق …