الخميس , 13-يونيو-2024

هل ندرك كم هي الخسارة ثقيلة وفادحة؟!

المملكة اليوم -

وقع نبأ وفاة المفكر المغربي، د. محمد عابد الجابري (أمس)، عليّ وقع الصدمة الشديدة، فرحيله خسارة لا تحتمل بما يمثله من فكر شكّل على الدوام ثروة لا ينضب معينها، أغلى وأهم من النفط والمال والذهب، وهو للمثقفين والقرّاء العرب المدمنين على الفكر المعاصر أو من قرأوا سطراً منه، بمثابة الأب الروحي لهم جميعاً.

الجابري مفكر من طراز رفيع اشتغل في قلب الأزمة الفكرية العربية، واشتبك مع بنية العقل العربي وعلله وأزماته البنيوية، متنقّلاً من إعادة قراءة التراث العربي (الغزالي، ابن تيمية، ابن سينا، الفارابي، إخوان الصفا…)، مستنطقاً تأثيراته وتجلياته القابعة في كعب العقل العربي إلى اليوم، إلى الفكر المعاصر وأزمة العقل العربي، وأنهى مشواره الحافل بإعادة قراءة القرآن الكريم، وفق منهجية عقلانية جديدة، تنخّل القراءات النقلية، وتتصفّح القديمة والجديدة، مقدّماً كتاباً في غاية الروعة يجمع بين المناهج المعرفية الفلسفية والإسلامية، مستعيداً العقلية الإبداعية لكبار الفلاسفة والعلماء الإسلاميين.

كان مسكوناً بقضية التنوير الإسلامي والعقلانية، ويعرف أنّ طريقها لا يمرّ، كما يخطئ بعض العلمانيين، بالصدام مع الدين، فأعاد تقديم ابن خلدون للثقافة العربية الإسلامية المعاصرة بلغةٍ عميقة رشيقة تفكيكية، وطرح مشروعه بروح معاصرة، فساهم بدبِّ الحياة مرّة أخرى في موروث وفكر ذلك العملاق الإسلامي، الذي لم نكتشفه إلاّ مؤخّراً.

لم يكتف بذلك، بل ردّ الاعتبار لابن رشد، فأشرف على مشروع كامل لإعادة تحقيق وقراءة كتب ابن رشد، الفلسفية والسياسية والفقهية، وله مؤلفات عن ابن رشد ومشروعه الإصلاحي.

حتى في كتابه “حفريات في الذاكرة” الذي يروي فيه سيرته الذاتية، فقد أبدع الرجل في نقش صورة من حياته، ومن الحياة المغربية وتتبع خيوطها الاجتماعية والثقافية، فقدّم كتاباً ممتعاً يجمع بين الأدب والاجتماع والفكر.

الجابري “حالة” لن تتكرر في الفكر العربي المعاصر، فهو “نموذج فريد” للمثقف والأكاديمي العربي المسكون بقضايا التنوير والنهضة والإصلاح والتغيير، الذي يدرك تماماً أهمية الجامعات والكتاب والمعاهد العلمية في بناء جيل التنوير والتغيير، ويدرك، كذلك، أهمية إعادة بناء العقل العربي وتخليصه من علله التي أودت به إلى آفات كبرى في التفكير والتحليل، وصولاً إلى أزماتنا السياسية والاجتماعية والثقافية الحالية.

لم يتورّط الجابري في تجيير فكره ومعرفته لمصلحة نظام سياسي أو قوى معيّنة، فاكتسب إنتاجه الغزير مصداقية وقبولاً من الجميع، لأنّه بقي “بعيداً عن الشبهات السياسية”، وحتى استدارة الرجل نحو مزيد من الأسلمة لخطابه وأرائه، فلم يكن ذلك إلاّ إدراكاً منه لأهمية الانطلاق من مفهوم الاجتهاد الديني في تغيير البنية الثقافية والعقلية السائدة.

قد يكون عزاؤنا الوحيد في هذه الخسارة الفادحة أنّنا تعوّدنا في العالم العربي ألاّ نحتفل بالأشخاص ولا نقدّر قيمتهم إلاّ بعد أن يرحلوا، فعسى أن تكون وفاة الجابري بمثابة إحياء جديد وولادة أخرى لما تركه لنا من ثروات وكنوز لا تقدّر بثمن، واستثمار للمفاتيح التي تركها بأيدي الأجيال الجديدة من حملة رسالة المعرفة والتنوير والإصلاح، بعيداً عن الثقافة السطحية المبتذلة التي تملأ الفضاء الإعلامي العربي اليوم، فتزيد في تخريب العقل وتدميره، وتعمّق أزماته وآفاته.

مشروع الجابري بمثابة تحدٍّ للمشاريع المعروضة في الساحة العامة العربية، فهو مشروع التنوير والمعرفة والقراءة الواعية العقلانية في مواجهة المشروع الإسلامي – الوعظي، الذي يمارس تخديراً للعقل والتفكير، وتسطيحا لمقاصد الرسالة الإسلامية، وفي مواجهة المشروع العلماني الذي لا يدرك أهمية الدين وموقعه في حياة الشعوب والمجتمعات العربية والمسلمة، فوقع في صدام مع الدين، وتغرّب بعيداً عن مجتمعاته، تاركاً الأثر الأكبر فيها، إمّا للدعاة والوعاظ وإما للفراغ والثقافات السطحية الاستهلاكية.

حريٌّ بنا اليوم أن نردّ الاعتبار لهذا العلم الفكري العربي، ولمؤلفاته الثرية النوعية، وأن تدرج في مساقات التعليم في المدارس والجامعات، لعلّها تساهم في صحوة العقل العربي من غيبوبته، وفي إعادة ربط الأجيال الشابة الجديدة، من مختلف الاتجاهات، بمشروع التنوير والعقلانية، والحداثة بنسختها المعتدلة المتكيفة مع البيئة العربية.

رحل الجابري،.. بعد أن شرّح لنا “علل العقل العربي”، لعلّنا نكمل الطريق فنتخلّص منها!

عن صحيفة الغد

شاهد أيضاً

الشرفات يكتب: العفو العام ومضامين الدستور

المملكة اليوم - حالة السِّجال النِّيابي العدمي الذي رافق مناقشة مشروع قانون العفو العام تنطلق …