الثلاثاء , 16-يوليو-2024

ما أحوجنا إلى خارطة طريق نحو خلاص وطني

المملكة اليوم -

كانت الرؤية السياسية واضحة لجهة المحافظة على مصالح الأردن الحيوية حين أتخذ قرار على أعلى المستويات قبل ست سنوات بدعم مشروع “خارطة طريق” إقليمية صوب إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل, بحسب اقتراح الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش. واستضافت العقبة حفل إطلاق تلك الخارطة, التي تحولت لاحقا إلى دهاليز مغلقة.

حل الدولتين كان يفترض أن يمهد الأرضية لفتح حوار شفّاف بأريحية لمناقشة العلاقات المستقبلية بين الدولتين – الأردنية والفلسطينية وبين الشعبين; تلك العلاقة الشائكة, المتداخلة بحكم الجغرافية, الديمغرافية, التاريخ وعلاقات الدم والمصاهرة.

بعد فشل رهان الأردن على ميلاد دولة فلسطينية قابلة للنماء والحياة ومتواصلة جغرافيا بسبب تعنّت اليمين الإسرائيلي وانقسام الفلسطينيين وانحياز واشنطن الأعمى لمصلحة تل أبيب, باتت عمان اليوم بأمس الحاجة لخارطة طريق وطنية لرسم مستقبل البلاد والعباد في دولة يفترض أن تتمأسس على قواعد المواطنة والقانون والمؤسسات. خارطة واضحة المعالم تحمي مصالحنا الأردنية, الإقليمية والدولية, ترسمها مكونات المجتمع من الأصول والمنابت كافة, بخاصة بعد انكشاف حال الشد والاستقطاب السياسي الكامن مع صدور نداء اللجنة الوطنية للمتقاعدين العسكريين ورد المؤسسة الاقتصادية والاجتماعية للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدماء. فالمطلوب الآن بلورة رؤية وطنية متماسكة تبدأ بالتركيز على مصالحنا الوطنية في ذروة توتر اجتماعي, سياسي, ثقافي قابل للانفجار في أي لحظة ولأتفه الأسباب, من بينها هواجس الوطن البديل.

ويتوقع أن تتعمق التجاذبات بين حركة وطنية شرق أردنية نواتها ضباط ينتمون إلى قرابة 140.000 متقاعد خدم في القوات المسلحة عالية الانضباط والانتماء ضد تيار آخر مؤثر يريد للأردن أن يكون وعاء احتواء لكل من يحمل رقما وطنيا يعطيه حقوقا ويطلب منه واجبات دستورية في دولة قائمة على أسس المواطنة. دائرة السجال اتسعت وظهرت إلى العلن بعد صدور بيان العسكر, الذي لاقى أصداء تأييد واسعة بين صفوف مواطنين يشعرون بالتهميش لأسباب متداخلة.

في خلفية المشهد المحلي المحتقن تناسل الحديث همسا وعلانية عن أهمية إجراء مراجعة كاملة للعشرية الأولى من عهد الملك عبد الله الثاني, كما وعدنا بها رأس الدولة الصيف الماضي, بهدف تقويم الخلل والسير قدما صوب الإصلاح ومأسسة الدولة.

لكن كان من المفترض أن تتوج المراجعة الشاملة, التي بدأت ملامحها تتبلور مع سلسلة تعيينات في المناصب العليا وتغيير الحكومة بعد حل مجلس النواب المفاجئ أواخر العام الماضي, بإصلاح سياسي حقيقي عنوانه الرئيسي قانون انتخاب متطور; إصلاح يضبط التوازن بين السلطات الثلاث, ينتج مجلسا نيابيا ذا وزن سياسي يراعي عدالة أكبر في التمثيل, بعيدا عن تفصيل نواب خدمات ومصالح فئوية شخصية; إصلاح ذو شأن ووزن أضحى ضرورة وليس ترفا سياسيا أو نخبويا أو وعدا موسميا يحمله إلينا الخطاب الرسمي كلما تشكلت حكومة جديدة أو ازدادت ضغوط الدول الأجنبية المانحة لحماية مصالحها.

للأسف, لم يتعظ المسؤولون وأساؤوا مرة أخرى قياس نبض الرأي العام. وبذلك أضاعت حكومة الرئيس الشاب سمير الرفاعي, أو مراكز القوى التي تتنافس على صناعة القرار, قنص الفرصة لبداية مبرمجة نحو إحياء خيار الديمقراطية الذي انطلق عام .1989 قرار تصفية ما تبقى من آمال في ذلك الاتجاه اتخذ حين قررت الحكومة وأد التجربة بقانون انتخاب جديد طبخ داخل غرف مغلقة بمشاركة ستة من كبار المسؤولين يمثلون خط المحافظين التقليديين, بعد استبعاد وزير التنمية السياسية اليساري موسى المعايطة, صاحب الصوت المختلف الوحيد.

وهكذا أضعنا فرصة إثبات لأنفسنا وللخارج الذي يراقبنا بقلق, بأن الأردن الرسمي جاد في دفع عملية الإصلاح السياسي.

اليوم يبشرنا الرفاعي بأن القانون الجديد الذي سيعلن خلال أيام, تمهيدا لإجراء الانتخابات على أساسه أواخر العام الحالي, يراعي الخصوصية الأردنية ويعتمد الإصلاح السياسي كما “يعظم الجوامع ويشكل نقطة التقاء لمختلف الآراء”.

لكن ساسة ونشطاء يختلفون مع تقييم الرئيس. فهم يرون في مشروع القانون الجديد انكفاءة أخرى – نحو مزيد من التقسيم والشرذمة على أسس جهوية.

هذه الفئة تعتقد أن القانون المبتور, أول مولود لعملية الإصلاح السياسي, سيخرج مشوها; حاله كحال الطفل الذي يعاني من صعوبات في النطق, السمع أو الحركة لكن أسرته تلتزم بتنشئته من باب مشاعر العطف والمحبة.

يشكّل ذلك القانون أول إخفاق لعملية الإصلاح السياسي المنشود التي تحدثنا عنها كثيرا وأغرقنا الناس بوعودها خلال العقد الماضي. ليس المقصود هنا الحديث عن إصلاح سياسي يركز على اعتبارات الجغرافية أو الديمغرافية وإنما تحديث ليتماشى مع مقولة حكومات تردد دائما بأن الأردنيين كافة متساوون في الحقوق والواجبات.

ثانيا, من الأفضل أن نقر بأن دولة القانون والمؤسسات باتت اليوم في خطر. وبدون الدخول في التفاصيل, هناك تطاول على القضاء وعلى السلطة القضائية. خير دليل على ذلك قرار منع نشر تداعيات إفادات الشهود في قضية ما يسمى بمصفاة البترول. ذلك التعتيم ولّد قناعة لدى الكثيرين بأن القضية كيدية ثأرية لأن جهود الحكومة في مكافحة الفساد بدأت بطريقة غير شفافة منعت الرأي العام من متابعة تفاصيل جلساتها. وبذلك خسرت الحكومة معركتها في مكافحة الفساد. وقبلها خسرت معركة أخرى في التعامل مع عملية بناء المؤسسات عندما أخفقت في التعامل بطريقة مؤسسية مع ملف المعلمين المرشح اليوم للانفجار مرة أخرى, وملف أحداث جامعة البلقاء التطبيقية, ونقابيا من خلال طرد رئيس لجنة عمال المياومة محمد السنيد. واليوم تتجلى الدربكة مجددا في التعامل مع نداء المتقاعدين. إذ غاب أو غيّب هذا البيان عن الصحف اليومية فيما تناقله عدد محدود من المواقع الإخبارية. وبدل أن تحاجج السلطات هذا البيان بالمنطق والحوار, ظهر بيان مضاد عن المظلة الأوسع للمتقاعدين العسكريين, ما يشي بحدوث انقسامات في المواقف.

أما غالبية المسؤولين والمقربين من مراكز صنع القرار فيصرون على تصوير الواقع على أنه “قمرة وربيعة” وأن الغالبية مرتاحة وتدعم كل القرارات والسياسات والإجراءات وأن أساس البلى هم أصحاب صالونات الشغب السياسي وكبار المتقاعدين المدنيين والأمنيين.

لكن كان واضحا للجميع أن ما ذكره العسكر القدامى في بيانهم يعكس ما يدور في الصالونات وأحاديث الشارع في قرى, مدن وبوادي الأردن. فلا أصحاب الصالونات السياسية والمتقاعدين من جهة ولا الإخوان المسلمين هم من حرضوا المتقاعدين, المعلمين والنقابيين. وكذا لم تخترع الفضائيات العربية “المشبوهة” دائما هذه القصص لنشر غسيل الأردن الوسخ على الملأ.

آن الأوان لأن نقر بأن الأردن يواجه مشكلة تأخذ تداعياتها مناحي توتر يطل يوميا بشكل ولون جديد. آخرها المأساة التي وقعت في منطقة أم السماق, وقبلها تداعيات سلسلة عمليات لفرض القانون قام بها رجال الأمن والدرك على الخارجين على القانون ممن يحتمون في أحيان كثيرة بغطاء رجال من “عظام الرقبة”.

لا بد من الشفافية في متابعة تداعيات التحقيق بكل تلك الحوادث التي نشبت خلال الشهور الماضية بين رجل الأمن والمواطن. كما يجب منع المواطنين من حمل السلاح بطريقة غير مشروعة في القرن الواحد والعشرين حتى لا يتواصل مسلسل “داحس والغبراء”.

يبدو أن الأردن يمر اليوم بحال من الرعب, الاستقواء والترهيب. المعلمون مرعوبون من وزارتهم. وكذلك حال عمال المياومة في وزارة الزراعة. المواطنون مرعوبون من الدرك. الصحافيون مرعوبون من كبار رجال السلطة, ورجال السلطة مرعوبون من مسؤوليهم يردّدون ما يسمعون بلا موقف. نصف المجتمع مرعوب من نصف المجتمع الآخر وسط تطمينات رسمية مستمرة ترفض أحاديث تتناول تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن.

لنتحرك بسرعة نحو حل مشاكلنا الداخلية قبل أن يضطر نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن لزيارتنا مرة أخرى, والالتقاء بشخصيات تمثّل ما يسمى بمنظمات المجتمع المدني كما حصل قبل شهرين ليستمع لتذمرهم حيال وتيرة الإصلاح الذي يراوح مكانه منذ سنوات بسبب غياب الإرادة السياسية, ليشور عليهم حول ضرورة إنجاز وعود الإصلاح كما فعل مع أصحاب القرار الذين التقاهم.

أمامنا الكثير من الأمثلة تعرض فيها النسيج الداخلي إلى هزات ونتوءات فتحت باب الإستقواء بالخارج من اجل حماية المصالح. لبنان كان خير مثال على ذلك عامي 1860 و1958 وكذلك العراق الحديث عندما ضعف نسيجه أو عندما طغت الطائفية على القامة الوطنية وخلقت ثغرات سمحت بتدخل إقليمي ودولي.

قراءة مستفيضة لبيان المتقاعدين العسكريين تعكس مخاوف من وجود مواطنين يسعون للاستقواء من الخارج لإحقاق حقوقهم المهمشة. بناء وطن الجميع ونشر الطمأنينة لن يتأتى من رحم من يهدد ومن يستقوي.

ألم يحن الوقت لهاتين الفئتين أن تجلسا إلى بعضهما البعض مع مفاتيح القرار الرسمي للاتفاق والتوافق على ما يخدم الأمن الوطني والمصلحة العليا.

يرد إلى البال سؤال آخر: أين المسؤولون السابقون ولماذا لا يرفعون أصواتهم ويسمعوننا نصائحهم التي حرموا غيرهم من إعطائها عندما احتلوا مواقعهم الرسمية وصوروا لنا الحياة وكأنها الجنة على الأرض? حتى الآن كتب في الأزمة رئيسا الوزراء الاسبقان أحمد عبيدات (مدير المخابرات العامة الأسبق) وفيصل الفايز (رئيس الديوان الملكي الأسبق). فلماذا لا تتكاتف كل الأفكار الحكيمة لصياغة إستراتيجية إنقاذ وطني يلتقي عليها الجميع. ولماذا لا تتداعى النخب والأحزاب لمؤتمر وطني يشخّص المرض ويصف العلاج.

نعم, هناك مشاكل وتحديات داخلية عميقة لم نعد قادرين على دفنها تحت السجادة أو استمرار إلقاء اللوم فيها على “بؤر منعزلة وأصوات نشاز”. وستثبت الأيام أن من يصر على الاستمرار في ذلك النهج, مهما كان موقعه في المسؤولية, يعمل ضد مصلحة الله والوطن والملك.

في هذا السياق يلح سؤال آخر: هل بات الأردن بمكوناته كافة يوضح من ينتظر تدخلا خارجيا لوضع برنامج تصحيح سياسي عام 2010 على غرار الإصلاح الاقتصادي عام 1988 عندما تدخل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لفرض برنامج إصلاح اقتصادي ومالي لإنقاذ الأردن بعد سنوات من النفي الرسمي بوجود أزمة.

عندما لم نعد قادرين على معالجة الوضع الاقتصادي المتردي دخلت المؤسسات المالية والصناديق الدولية على الخط. واليوم يأتي بيان المتقاعدين العسكريين ليعبّر عن نداء استنجاد قد لا يتفق معه الكثيرون. لكن يبقى من الأفضل أن نفصّل برنامج إصلاح سياسي يلائم خصوصيتنا كما, يقول الرفاعي, بدل فتح الباب لتدخلات خارجية.

فكل الدول, بدءا بالولايات المتحدة وانتهاء بالصين, تحتاج إلى الحراك والتغيير لضمان البقاء. ومن لا يتحرك وسط التيارات المتعاكسة يجازف بالغرق في شرق أوسط جديد جدا.0

[email protected]

شاهد أيضاً

الشرفات يكتب: العفو العام ومضامين الدستور

المملكة اليوم - حالة السِّجال النِّيابي العدمي الذي رافق مناقشة مشروع قانون العفو العام تنطلق …