الإثنين , 22-يوليو-2024

هواجس مصر ومخاوفها المتجددة

المملكة اليوم -

هي الفكرة المستبدّة نفسها، لا تزال تمارس سطوتها، في المجاميع العربية، التي خرجت إلى الميادين والساحات العامّة، بأنّ “السياسة قدرٌ..” لا رادّ له..!.

عقلٌ سياسيٌ جمعيٌ يحبو، وفيه: يتمنّع التفكير على أصحابه. وهواجسٌ تحلّ محلّ الأفكار. ذعرٌ يتلبّس صانعي أبهى ثورة شعبية عربية حديثة، خشية موتها، وخوفاً عليها لا منها. رتابةٌ في الاستجابة للتغيير، تأخذ شكل الصدمات المفاجئة. وأشباحٌ يخرجون، من حيث لا يعرف أحد، على هيئة هستيريا، تُحيل ثورة الشعب إلى كابوس مخيف.

طابورٌ خامسٌ، أو ما يشبهه، يقود الثورة المصرية وتحوّلاتها إلى شوارع فرعية. حيرةٌ، تتحوّل، في طرفة عين، إلى مذبحة. توتّرٌ، مصدره الارتباك وعدم الوضوح، يسعى إلى ضبط إيقاع المرحلة الإنتقالية، فتندلع المواجهات، كتلك التي وقعت في “جمعة التطهير والمحاكمة..”. وكأنّ شيئاً خفيّاً يسعى بقوة إلى دوران “ماكينة عنفٍ..”، بين الجيش والثورة..!؟ أسئلةٌ تُحيي في الأذهان مأثور المتنبي الشهير: “نامت نواطيرُ مصرَ عن ثعالبها..”.

والسؤال اليوم هو هل استمرار التظاهرات في مصر كل يوم جمعة على مدى اشهر طويلة وما يتصل بهذه المظاهرات من تحركات ومماحكات الى حد المواجهات الدامية،وكان ذروة ذلك الصدام العنيف بين المحتجين المسيحيين وقوات الجيش أمس الأول الأحد في ماسبيرو حيث السؤال عما حدث هو هل كان هذا الانفجار مفاجئاً على نحوٍ كلّي، كما بدا للبعض..؟ أم أنّ فارق أداء السرعتين، بين الجيش والحالة الشعبية المتفجرة، كان لا بدّ له من أن يؤدّي إلى التصادم، في لحظة العبور الإجباري، للنفق الوحيد، نحو المحطّة التالية..؟.

مشهدٌ تتكاثر تفاصيله على نحوٍ مربك، غير أنّ ضروراته المصرية، والعربية أيضاً، تقضي بتكثيفه، كي لا تتكرّس لحظة عجزٍ عربي مرعبة، لألف عام قادم. مشهدٌ مصريٌ بطرفين: “جيشٌ يريد وضع ثورة شعبية على قضبان سكّة نظام..”، و”ثورةٌ تريد التحليق إلى نظام جديد..”.

المخاوف تدفع الجيش إلى تحويل الثورة إلى مجموعة مطالب. غير أنّ الجيش لا يمتلك جهازاً سياسياً، مؤهّلاً ومدرّباً، وكذلك شباب الثورة الشعبية. فسادَ شعورٌ عام، بأنّ روح ثورة ميدان التحرير بدأت تتلاشى وتخبو. ولهذا فان صدام ماسبيرو وكل ما سبقة من صراعات سياسية وخلافات فكرية ومواجهات في الشارع بات مرعبا لانه يجيء في لحظات فراغ مخيفة، امتدّت بين ترتيبات المجلس العسكري، المتباطئة أو البطيئة، وبين الشعور الشعبي المتوقّد. فعادت ملايين الشعب الى الميدان، للتأكيد بأنّ قوة الشعب لا تزال حاضرة. وعلى المراهنين، على تبعثرها أو تفكّكها، أن يعيدوا حساباتهم. وهنا، عادت المخاوف والهواجس، من جديد، لتغمر ملايين شجّعت وشاركت وتعاطفت مع ثورة الميدان. وتوافرت تربةٌ خصبة، لكائنات العتمة، ولحالمين بإمكانية إعادة الإمساك بإيقاع التغيير المطلوب..!.

والحقُّ، أنْ تلك هي اللحظة السياسية، الشرعية والتاريخية، التي ينبغي التقاطها من جديد، وبوضوحٍ كاشفٍ للجميع. ولا بدّ من تأكيد شرعية حضورها واستمرارها؛ لحظة إنشاءِ عقدٍ اجتماعي جديد (أي دستور وأركان نظام ديمقراطي حقيقي)، يسمّيه البعض جمهورية جديدة،

يؤسّس في لحظة غياب الرأس الواحد (أي الرئيس، بنموذجه العربي المألوف، أي الديكتاتور). الشعب المنظّم، والجاهز في حضوره في الميادين، بموازاة بناء نظامٍ جديد، تتوزّع سلطاته المنفصلة، رئاسية وتنفيذية وتشريعية وقضائية، التي يُعاد تأسيسها، في ظلّ غياب أصحابها المفترضين.

وهي لعمري لحظة فارقة، لم تحدث من قبل، في تاريخ الدولة العربية الحديثة. شعبٌ يحدّد، بالدستور والقوانين والشرعيات، شروط ومواصفات مَن يحكمه وكيف يحكمه، بما في ذلك الضمانات لمنع أيّة سلطة (رئاسية أو حكومية)، من التحوّل إلى سلطة قمعية واستبدادية، بصرف النظر عن شخصية مَن سيحتلّ تلك المواقع. وعلى مؤسّسة الجيش، التي يمثّلها المجلس العسكري الأعلى، كممثّلٍ انتقالي للرئاسة في مصر الآن، أن ترعى تلك العملية، وبما يمتلك من أدوات متاحة في مصر، حتى هذه اللحظة من تاريخها، ومهما احتاجت العملية من أوقات. أما ضمانة ذلك، فهي شباب الثورة الشعبية المصرية، المستعدّ ل”العودة إلى المليونيات..”، فيما إذا إنحرفت عملية التأسيس عن مسارها، ومن دون تهديد، أو غضبٍ من أحد. هكذا، يُحقّق الجيش أبهى لحظة أخلاقية في تاريخه وتاريخ مصر، ويدخل التاريخ من أوسع أبوابه، بنقلِ مصر إلى عصرها الديموقراطي. جيشٌ يرعى تحقيق الشعب لدولته الحديثة والجديدة، وثورةٌ شعبية تحرس صناعة تلك الدولة، بما تملك من “مليونيات” منظّمة، جاهزة للعودة إلى الميادين. ومن دون أن ينحكم الشعب إلى مشاعر الانتقام وغرائزه، فتخدعه محاكمات رموز النظام البائد، حتى لو شملت الرئيس السابق وأبناءه، كما حدث مؤخّراً، باعتبارها مطالب الثورة الأساسية. فالمطلب الحقيقي، لثورة كهذه، هو التغيير الديمقراطي الفعلي، وبشكلٍ نهائي، على نحوٍ يقطع مع عصرٍ استبداديّ كامل ونهائياً. فلم تعد مصر “مزرعة..” لأحد، ولا مكان فيها لحكّامٍ “ثعالب..”، ولا شعبها “نواطير..” نيام. وهنا، يمكن لحالمٍ عربي أن يتجاسر، بالقول: هذا عصرٌ، لم يعد فيه مكانٌ للطغاة، في أرض العرب..!.

تلك هي المرّة الأولى، التي يُسمح فيها لمجتمعٍ عربي، وبعيداً عن أهواء السلطة، وسيوفها المسلطة على رقبته، بوضعِ قواعد وأسس دولة مدنية عصرية. دولةٌ لا رغبات فيها لسلطة، تسعى إلى تأبيد حكمها، ينفرد فيها الحاكم وحده بـ”غرفة الأقدار..” فيها. وعلى تلك اللحظة العربية، أن تأخذ مداها الطبيعي، وفي مصرَ تحديداً، لأنّها بذلك تجتاز حاجز الخوف عليها مِن أيّة مخاطر، في حتميّة وصولها إلى كلّ المجتمعات العربية، التي تنتظر وتحاول. وربّما لهذا بالذات، تتزاحم أيادٍ عربية كثيرة، وكلّها خفيّة، على الإناء المصري، الزاخر والواعد بمستقبلٍ عربي أبهى.

[email protected]

شاهد أيضاً

الشرفات يكتب: العفو العام ومضامين الدستور

المملكة اليوم - حالة السِّجال النِّيابي العدمي الذي رافق مناقشة مشروع قانون العفو العام تنطلق …