الأربعاء , 24-يوليو-2024

هويّة الأفراد .. والعولمة

المملكة اليوم -

‏بِجرأةٍ، كلّها مغامرة، يتسرّع كثيرٌ من الكتّاب والمفكّرين، وعلى مستوى العالم، في استنتاج أثر العولمة على تكوين الأفراد وتعريفهم لأنفسهم. يحدثُ هذا، على الرغم من مواصلة «تطبيقات العولمة» طحنها للمجاميع البشرية في معظم مدن العالم، كما كشفت عن ذلك تظاهرات الألف مدينة الأخيرة، كتعبير عن وصول البشرية، بأنظمتها المالية المعولمة، إلى توحّشٍ غير مسبوق.

«إن الأصل الجغرافي كان له، ولفترة طويلة من الزمن، أثر حاسم، في تحديد المصير ‏الشخصي للبشر، وفي صياغة رؤيتهم للعالم. إن البشر يسافرون ويهاجرون أحيانا، ‏لكنهم يحافظون على تعلّقهم بخيطٍ، منظورٍ أو غير منظور، يربطهم بقريتهم وببلادهم. ‏ومع ذلك، فقد أصبحوا اليوم أقلّ فأقلّ ارتباطاً بالمكان، وأكثرَ فأكثرَ ارتباطاً بالزمان، ‏الذي يعيشون فيه. إن المهاجرين، والشباب والنخب الكونية، هم المواطنون الأكثر ‏إنتماءً إلى زمنهم. إن أولئك، الذين يحنّون إلى الماضي، والذين لا يبارحون أمكنتهم، ‏ليسوا، رغم ذلك، بمنجاة مِن عيشِ زمنهم. كل شيءٍ يتحرك، وكل شيءٍ يسافر، ‏وكل شيءٍ قابل للتبادل: البشر والأشياء والموسيقى والصور والأفكار. هذه الحركة ‏العامة، وهذا التحوّل في الهوية، يصنعان ما تُطلَقُ عليه تسمية العولمة».

هذا ما ‏يقوله «غي سورمان»، أحد المفكرين الفرنسيين المعاصرين، الذين أُشتهروا بدفاعهم ‏عن الاقتصاد الليبرالي، وهو أستاذ جامعي وكاتب ومدير مؤسسة صحافية، ويعيش ‏بين مدينتي «باريس ونيويورك». ‏

بهذا المعنى، يُحدّد الكاتبُ «العولمةَ» على أنها «حضارة»! ومِن مضامين تلك الحضارة وأوجهها «الاقتصاد والعلم»، وباعتبارها «نظرية علمية متجددة»، وخصوصاً «تلك التي ‏أفرزتها الليبرالية، بنسختها الأميركية، وتطبيقاتها على أرض الواقع»، فإنّها قد غيّرت كثيراً، ‏خلال العقود الثلاثة الأخيرة، في حياة البشر. وذلك كنتيجة لواقع التنمية ‏الذي ترتب عليها(!)، و»الذي لم تشهد الإنسانية مثيلا له من قبل». ‏

لا شكّ أنّ الدلالات والإيحاءات السطحية لهذا الكلام تستفزُّ كثيرين. غير أنّ أخذ «الحركة ‏العامة»، في الكون والمجتمعات، بعين الاعتبار، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وأثرها على التحوّلات في هوية الأفراد، ومِن دون تسمية ذلك بالعولمة، كما يقترح «سورمان»، يُمَكِّن مِن رؤية عمق التحوّلات التي طرأت على حياة البشر. وهنا، لا يختلفُ كثيرون مع «سورمان» إلّا في تعريفه للعولمة، التي يرى فيها «علماً واقتصاداً» غيَّر الكثير في حياة الناس. فإذا كانت هكذا، فإنّ البشر، في غالبيتهم، لم يروا، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، سوى الكوارث والحروب وسحق للفئات الاجتماعية الأقل حيلة، وتغوّل مِن الدول العظمى على دولٍ وشعوب أضعف. أمّا اعتبار التقدم العلمي الطبيعي والتقليدي المتراكم، وتقنياته، في وسائل الإتصال و»الكمبيوتر»، على أنّه هو نفسه العولمة، فذلك أمر فيه إجحاف نظري وفكري كبير.

فالعولمة ليست حضارة، وهي ليست علماً في ذاتها، بل هي نظام اقتصادي، حملته إلى الوجود أنظمة سياسية واقتصادية، لها مصالحها في أن ينوجد ويستمر في الوجود، كمرحلة متقدمة مِن أنظمة سابقة له. أما تأثير ذلك على الهوية، فهو بالغ، لكنه لم يبدأ مع العقود الثلاثة الأخيرة، وإن زادت وتيرته فيها. فالشعوب، ومنذ أقدم العصور، وهي تمارس سفرها وهجراتها، وتواصل إحتكاكها وتبادل ثقافاتها، وتستمرُّ في حنينها «لأوّل منزلِ». أما الجزم، بأن ذلك سيؤثّر على ارتباط الناس باصولهم الجغرافية وهويّاتهم الثقافية، فأمرٌ فيه مغامرة ومجازفة نظرية كبيرة..!؟

[email protected]

شاهد أيضاً

الشرفات يكتب: العفو العام ومضامين الدستور

المملكة اليوم - حالة السِّجال النِّيابي العدمي الذي رافق مناقشة مشروع قانون العفو العام تنطلق …