الأربعاء , 24-يوليو-2024

في مفهوم الاستيزار وسير الوزراء

المملكة اليوم -

لا يكفّ التُراث الإنساني، ومنه التراث العربي والإسلامي، عن الحديث عن شروط ومواصفات مَن يتولّى الحُكم والمسؤولية العامة. ومن هؤلاء الوزير ومسؤوليته، فقد قيل:

(اعلم أن ولي الامر يرتفع ذكره ويعلو قدره بالوزير إذا كان صالحاً كافياً عادلاً لأنه لا يمكن لأحد من الحكام أن يصرف زمانه ويدير دولته بغير وزير ومن انفرد برأيه زل من غير شك)‏.‏

وقد قال الغزالي في تبره المسبوك، مخاطباً الحاكم المسلم: ألا ترى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مع جلالة قدره وعظم درجته وفصاحته أمره الله تعالى بالمشاورة لأصحابه العقلاء العلماء فقال عز من قائل‏:‏ (وشَاوِرِهُم فيِ الأمرِ‏)‏‏.‏ وأخبر في موضع آخر عن موسى عليه السلام‏:‏ (‏واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي اشدد به أزري واشركه في أمري‏)،‏ وإذا لم يستغن الأنبياء -عليهم السلام- عن الوزراء واحتاجوا اليهم كان غيرهم من الناس أحوج‏.‏

وقد سُئل ازدشير بن بابك أي الأصحاب أصلح للحاكم؟ فقال: الوزير العاقل المتقن الأمين الصالح التدبير ليدبر معه أمره ويشير اليه بما في نفسه‏.‏ وعلى ولي الامر أن يعامل الوزير بثلاثة أشياء:‏

أحدها‏:‏ إذا ظهرت منه زلة وجدت منه هفوة لا يعاجله بالعقوبة، الثاني‏:‏ إذا استغنى في خدمته وأينع ظله في دولته لا يطمع في ماله وثروته‏.‏ الثالث‏:‏ إذا سأله حاجة لا يتوقف في قضاء حاجته.

وينبغي أن لا يمنعه من ثلاثة أشياء وهي: متى أحب أن يراه لا يمنعه من رؤيته وأن لا يسمع في حقه كلام مفسد ولا يكتم عنه شيئاً من سره لأن الوزير الصالح حافظ سر الحاكم ومدبر أحوال الدولة وعمارة الولايات والخزائن وزينة الدولة وشدة الهيبة والقدرة وله الكلام على الأعمال واستماع الأجوبة و به يكون سرور الحاكم وقمع أعدائه وهو أحق الناس بالاستماع له وتفخيم القدر وتعظيم الأمر‏.‏ وقال لقمان لابنه أكرم وزيرك لأنه إذا رآك على أمر لا يجوز أن يوافقك عليه‏.‏

وينبغي للوزير أن يكون مائلاً في الأمور إلى الخير متوقياً من الشر وإذا كان ولي الامر حسن الاعتقاد مشفقاً على العباد كان له عوناً على ذلك وأمره بالازدياد وإذا كان حاكمه ذا حنق أو كان غير ذي سياسة كان على الوزير أن يرشده قليلاً قليلاً بألطف وجه ويهديه إلى الطريق المحمودة وينبغي أن يعلم أن دوام الحاكم بالوزير وان دوام الدنيا بالحاكم وينبغي أن يعلم أنه لا يجوز له أن يهتم بغير الخير ويعلم أنه أول إنسان يحتاج إليه ولي الامر‏.‏

وقد سُئل بهرام جور: كم يحتاج الحاكم حتى تتم سلطته وتتكامل بالسرور دولته‏؟‏ فقال: إلى ستة من الأصحاب‏:‏ الوزير الصالح ليظهر إليه سره ويدبر معه رأيه ويسوس أمره والفرس الجواد لينجيه يوم الحاجة إلى النجاة والسيف القاطع والسلاح الحصين والمال الكثير الذي يخف حمله ويثقل ثمنه كالجوهر واللؤلؤ والياقوت والطباخ الخبير الذي إذا أمسك شيئاً دبره بلطفه‏.‏

وقد قال ازدشير‏:‏ حقيق على الحاكم أن يكون طالباً لأربعة فإذا وجدهم احتفظ بهم‏:‏ الوزير الأمين والكاتب العالم والحاجب المشفق وإذا كان الكاتب عالماً دل على عقل الحاكم ورزانته وإذا كان الحاجب مشفقاً دل على رضا الحاكم عن رعيته ولم يغضب على أهل دولته وإذا كان النديم صالحاً دل على انتظام الأمر وصلاحه‏.‏

وقد قال موبذان في عهد أنو شروان: لا يمكن حفظ الدولة إلا بالأصحاب الناصحين المساعدين ولا ينفع خير الأصحاب إلا إذا كان الحاكم تقياً وينبغي أن يكون الأصل جيداً ثم الفرع ومعنى تقوى الحاكم وصدقه وصحته أن يكون صحيحاً في سائر الأمور يأمر بالصحة بأقواله وأفعاله ليصح بصحته سائر حشمه ورعيته وأن يكون واثقاً بالله تعالى وأن يرى أن قوته وقدرته وظفره بأعدائه ونصرته ووصوله إلى مرداه من الله تعالى وأن لا يعجب بنفسه فإن أعجب خشي عليه الهلاك كما جاء في الحكاية‏.‏

ويجب أن يكون الوزير عالماً عاقلاً شيخاً لأن الشاب وإن كان عاقلاً لا يكون في التجربة كالشيخ والذي يتعلمه الناس من تجارب الأيام لا يتعلم إلا من المشايخ والوزير زين السلطنة و الزين يجب أن يكون صالحاً طاهراً من الشين.

ويحتاج الوزير إلى خمسة أشياء لتحمد خبرته وتحسن سيرته:

التيقظ ليظهر في كل أمر يدخل فيه له وجه المخرج منه والعلم حتى تتضح له الأمور الحقيقية والشجاعة حتى لا يخاف من شيء في غير موضع الخوف والصدق لئلا يعمل مع أحد غير الصحيح وكتمان سر السلطان إلى أن يدركه الموت‏.‏

ولسياسة الوزراء في الحرب بقية أخرى…. (يتبع في استراحة أخرى).

[email protected]

شاهد أيضاً

الشرفات يكتب: العفو العام ومضامين الدستور

المملكة اليوم - حالة السِّجال النِّيابي العدمي الذي رافق مناقشة مشروع قانون العفو العام تنطلق …