الثلاثاء , 25-يونيو-2024

قبل ان تفاجئنا «الموجة الثالثة»؟!

المملكة اليوم -

بعد نحو عامين على اختفاء صوت الاحتجاجات في الشارع، كان لابد ان نسأل انفسنا: هل انتهت موجة “المدّ” الشعبي الذي خرج للمطالبة بالاصلاح ام انه آثر الانزواء، والكمون فقط؟

لا توجد لدينا – حدّ علمي- دراسات جادة تقدم لنا ما يلزم من تحليلات حول ما حدث في بلادنا خلال الاعوام الاربعة المنصرفة، لكن ثمة من يعتقد أن “الربيع” الاردني مات وانتهى، وأن المجتمع فقد تماماً عافيته وقدرته على المطالبة بأي شيء،سواءً بسبب المعالجات الداخلية التي تمكنت من امتصاص الموجة واستيعابها تمهيداً للانقضاض عليها،أو بسبب الظروف الاقليمية التي تحولت فيها الثورات الى حروب وصراعات وخيبات، بما يكفي لاقناع الشعوب بالقبول بالواقع خوفاً مما هو اسوأ منه.

ثمة من يعتقد، في المقابل، ان “الغضب” الذي تفجر في شوارعنا كان بسبب ظروف داخلية لها علاقة بحياة الناس وطموحاتهم المشروعة في استعادة حقوقهم،وهذه الظروف لم تتحسن كما يجب، وبالتالي فإن “جذوة” الاحتجاجات وإن خمدت وتوارت مؤقتاً الاّ انها ما زالت تشتعل تحت “الرماد”، ويمكن ان تعود في أية لحظة اذا ما تغيرت المناخات الاقليمية أو اذا ما فشلت الحكومات في مواجهة الاسباب التي انتجتها.

اذا دققنا اكثر في الصورة سنجد أن بلداننا العربية تعرضت على مدى السنوات الماضية لموجتين اثنتين: احداهما موجة “المدّ” الشعبي الذي عبرت عنه احتجاجات الناس في الميادين والشوارع وانتهى بسقوط بعض الانظمة وسقوط منظومة كبيرة من الافكار والقناعات، والاخرى موجة “المدّ” الحركي الذي خرجت منه التنظيمات المتطرفة وتمخضت عنه حروب وصراعات اتسمت بالعنف والتطرف، وعلى تخوم هاتين الموجتين نجد ان خرائط منطقتنا تغيرت تماماً، فقد برزت ايران كقوة مركزية في المنطقة،واستعادت اسرائيل مفاتيح “الحل والعقد” وتبخرت من الخريطة سوريا ووقعت مصر في مصيدة “الفوضى” السياسية ، وأصبحت العراق برسم التقسييم بين نفوذ ايراني يتوسع،وتمدد “داعشي” يتعمق في بيئات سنية تشعر بالمظلومية،فيما ظلت تركيا تحاول أن تخرج من قبضة “الاستهداف” بمناورات عسكرية وسياسية اربكت حركتها وافقدتها طموحاتها السياسية، اما السعودية فقد انخرطت في –عاصفة الحزم- وسط رمال يمنية متحركة.

اذا ، بعد موجة “الغضب” التي انحسرت بشكلها السلمي،وموجة “الحرب” التي لم تضع اثقالها بعد،يبدو السؤال عن المستقبل وجيها وضرورياً،فهل ستمتد موجة الحرب –بأشكالها المختلفة- لسنوات قادمة أم انها ستنحسر أمام موجة جديدة قادمة،سواءً على شكل تسويات ومصالحات تعيدنا الى سكة الهدوء والسلام،أو على شكل “ثورات” شعبية تنفجر مجدداً وتعيد رسم الخرائط بصورة مفاجئة وربما تكون اكثر عنفاً مما رأيناه على يد التنظيمات المتطرفة.

صحيح ان بلدنا نجا من “الموجتين”، أو تجاوز اخطارها بأقل الخسائر، لكن أليس من الواجب أن نستثمر فيما حصل او ان نتعلم من دروسه،ليس فقط على صعيد دفع عملية الاصلاح الى الامام،وتصويب مسارات السياسة والاقتصاد وتحقيق المصالحات المطلوبة وانما ايضاً على صعيدين آخرين: احدهما، يتعلق بالاخطار التي لا تزال تحدق بنا وابرزها “التطرف” بتنظيماته وافكاره،وانهيارات العواصم على ايقاع حروب المذاهب والطوائف التي لن نكون بمنأى عن تداعياتها وآثارها،والتحالفات الجديدة التي تنشأ باسم مواجهة “الارهاب” هذه التي اصبحنا جزءاً منهما، اما الصعيد الاخر فيتعلق بمسارات “السياسة” والدبلوماسية،سواءً تجاه العمق العربي الذي تتجاذبه اجندات تبدو متناقضة، أو اتجاه القوى الجديدة (إيران تحديداً) التي اصبحت لاعباً اساسياً في المنطقة، او اتجاه اسرائيل التي يعتقد البعض انها مفتاح الحلول في هذه المرحلة.

لا شك ان قدرتنا على مواجهة هذا الواقع الجديد هو الذي سيحدد الاجابة على سؤال : هل انتهت احتجاجات الشارع وانطفأ غضب الناس أم انها قابلة للتجدد وربما التمدد ايضاً ؟ في تقديري ان امامنا فرصة ذهبية لمسايرة عجلة التاريخ وعدم السماح لعقاربه ان تعود للوراء، لكن ذلك – وكما قلت – سيتوقف على ارادتنا الحقيقية لتغيير الصورة والاستفادة مما حصل لنا ولغيرنا،والاستثمار في وعي الناس وقدرتهم ورغبتهم في الحفاظ على بلدهم،وتجاوز الموجات العاتية التي دكت الدول المحيط بنا، والاخرى القادمة، بأفضل انجازات واقل ما يمكن من خسائر.

شاهد أيضاً

الشرفات يكتب: العفو العام ومضامين الدستور

المملكة اليوم - حالة السِّجال النِّيابي العدمي الذي رافق مناقشة مشروع قانون العفو العام تنطلق …