الخميس , 13-يونيو-2024

الشجاعة والعقل والتعاطف!

المملكة اليوم -

كنّا في معيّة سيدنا رحمه الله في «زيارة دولة» لجمهورية النمسا في نهاية السبعينيات. وكانت العاصمة فيينا تضم اكبر تجمع للإرهابيين في أوروبا.. ولذلك وصلت عناصر الأمن إلى الألف في ذلك البلد الطيّب، الذي خلقه الله ليحب الملوك.. منذ شارلمان صديق هارون الرشيد، إلى آخر امبراطور من آل هابسبورغ في نهاية الحرب العالمية الأولى، حيث أعادها الخبث الإنجليزي إلى دولة صغيرة.. وبدون امبراطور.

وقتها، كانت على البرنامج زيارة مدينة ستراسبورغ، وكان من الطبيعي أن ندخل الضيق، لنزور بيت الموسيقي الأسطورة موتسارت التي لم تأخذ من وقتنا الكثير. ومن هذا الشارع الى محطة القطار اختار سيدنا الحسين ان يذهب مشياً والى جانبه زوجته المرحومة علياء وابنته والجميع الى محطة القطار.. لنعود إلى فيينا.

.. وقتها انهارت ترتيبات الأمن، وصار الرجال المختفون بألبسة مدنية يركضون: ليصلوا الأسطحة او ليطلوا من ابنية عامة على الشارع، وصار رفيقي مدير المطبوعات الاتحادي يرتجف: لا احد يقول منكم لجلالته انه وصل بمشواره هذا حد.. المغامرة، ومع كل التوتر الذي اصابنا كنت اشهد الناس يقفون على الارصفة ويصفقون او يمدون ايديهم للسلام وتوقف السير، وكانت ابتسامته الساحرة رحمه الله تملأ هذا الجزء الملون من ستراتبورغ، وتدخل قلوب الناس.

لم يكن الحسين مغامرا لكنه كان يفاجئ آلاف الارهابيين الذين لم يحسبوا حساب هذا المشوار، لكنه كان يمارس ما مارسه طوال حياته: الشجاعة الاخلاقية.

وجلالة الملك في زيارته، زيارة الدولة لبلجيكا ذكرني بوالده العظيم، فهذا البلد الاوروبي كان مسرحا لعمليات ارهاب منذ اشهر قليلة وسقط منه كثيرون وكان جيرانه الفرنسيون يلعقون جراحهم بعد اكثر من عملية ارهابية، فقد كان عبدالله قمة الشجاعة حين كان وسط المدينة، في الشارع، بين الناس، فكان بذلك، حماه الله، يشد على يد العاصمة الاوروبية ويقف الى جانب صمودها بارفع نموذج شهدته حتى الان.

لا اعرف في أي جزء من خطاباته الرسمية والاكاديمية ذكر جملة: وانا كعسكري.. فالناس ينسون ان القائد الشجاع عمل ربع قرن في المعسكرات, وفي الاجواء.. واستف من غبار البادية ما استف. وان جلوسه على عرش الاردن كان خياره الدستوري الملزم.

لم نكن نعرف أن جلالته سيقوم بزيارة خاصة, بعد ذلك, الى الولايات المتحدة, وكان في الذهن ان نتمنى له الصحة والسلامة في عودته الميمونة. ومع ذلك وجدنا انه هو الحاضر الدائم في اذهاننا, كوالده العظيم وجده المؤسس.. وطلال ابي الدستور.. والهاشمي النبيل الذي اختار هو وغازي بن فيصل رحمهما الله ان يلازما جدهما في قبرص اشهرا.

القيادة هي: الشجاعة والعقل وهذه الانسانية التي تتدفق تعاطفاً مع الفقير والمريض والمسن.. وعاش الملك القائد.

 

طارق مصاروه

طارق مصاروه

شاهد أيضاً

الشرفات يكتب: العفو العام ومضامين الدستور

المملكة اليوم - حالة السِّجال النِّيابي العدمي الذي رافق مناقشة مشروع قانون العفو العام تنطلق …