الجمعة , 21-يونيو-2024
من مثل (المختار) لا يرحل أبدا
ما تزال الايادي التي لوحت في وداعك الاخير مرفوعة

من مثل (المختار) لا يرحل أبدا

المملكة اليوم -

أربعة أعوام مضت على رحيل رجل الأعمال عماد الشخاترة عن عالمنا ، ولكن ذلك الارتحال لم يكن يوماَ يعبر عن نفسه في صورة الغياب بالنسبة لنا ، فرحيل رجال مثل عماد يزيدهم حضوراَ لدى محبيهم وأصدقائهم ، فعندما كان بيننا لم يخطر احد في البال اكثر منه عند الحاجة للحديث والفضفضة مع رجل صادق ومخلص، واليوم فإن مشاعر افتقاده تحضر غصة في الحلق، ومرارة في الروح ، ومقعده الشاغر اليوم في الحياة لا يعني إطلاقاً انه متاح لأي شخص اليوم ولا غداً كما انه لا يعني غيابه.

النشأة الأولى

فابي صخر لم يغب ولن يغيب وهو حاضر فينا . فبين يدي خالقه الكريم يستند عماد شخاترة الى ما بذله من خير وأعمال صالحة ، بينما نحن نعايش أزمات وتحديات كبيرة نفتقد فيها سنداً طالما وجدناه بجانبنا ، بكل ما لشخصيته من سجايا تجعله يفكر في العطاء أولاً، ويتجاهل فكرة الأخذ ويسمو على رد الجميل الذي كنا نجتهد ولا ندركه معه.

أتى عماد من بيئة بسيطة تؤمن بالله عز وجل وتعتبر الحياة تجاره مع الله جل جلاله، ولذلك بقي دائماً مترفعا عن صغائر الحياة ومتطلعاً بكثير من الصبر والرفق الى سعي البشر الذي يتسم بالعصبية ويدفعهم كثيراً للتصرف بمنطق الصراع، وربما كانت هذه الشخصية الصوفية تستلهم نقاءها وهدوءها من النشأة الأولى في بيت والده الذي كان من مرجعيات بلدته واحد وجهائها،وامتداد السهول الزراعية التي تنبذ التوتر والقلق ،ولذلك بقيت بلدته (تقبل) تمثل له الملاذ من ضجة عمان وسرعة إيقاع الحياة فيها ، وكانت شخصية والده بمثابة النموذج والقدوة له ، فكان الجانب الأبوي لعماد حاضرا وكثيفاً في تعامله مع الجميع ، أشقاءه وأصدقاءه والعاملين معه ، ولم تكن إطلاقاً حكراً على أسرته , ومع رحيله المبكر وجد لأبناءئه دين الأبوة في رقبة الأعمام، اللذين ابوا إلا وان يجعلوا سيرة عماد بين الناس حاضرة ومضيئة كما كانت دائما،وبما يليق بها من تكريم.

عماد قامة وطنية.. فشخصيته الصادقة والبسيطة والمباشرة جعلته أفضل سفير للأردن في التجارة مع شرق أسيا، خاصة الصين وتايلاند ، وكان يزهد في احتكار هذه التجارة الحيوية، ويرى أن فوائد كبيرة يمكن ان يجنيها الأردن ، وكثيرون تعرفوا على طريق الحرير ،الحديث من خلال (ابي صخر) الذي كان يعرف أسرار الشخصية الصينية، وكان يعطي مفاتيحها لأصدقائه وزملائه من التجار بكل كرم وأريحية ، ولم يكن دعمه يقتصر على الخطوة الأولى ولكن يتواصل إلى الرعاية الكاملة، ولذلك كان وجوده أساسياً في رحلات سيد البلاد إلى مقاصد مختلفة في أسيا ، وكان يعتبر أن ذلك إسهاما منه كمواطن مخلص لبلده ،وعاشق لترابها يبتعد ما استطاع عن السياسة، لأنه لا يستطيع إلا أن يكون منسجماً مع نفسه ومتصالحاً معها، وكان يعتقد أن ما يقدمه لمجتمعه وأهله وناسه من خلال عمله في الاقتصاد اهم من انخراطه في السياسة ودهاليزها .

ففي النهاية كان حريصاً على اختيار المشاريع كثيفة العمالة والتي تتيح فرص التوظيف ، ولذلك لم يندفع وراء الاستثمار في مشاريع غير إنتاجية مثل الأسواق المالية ، وكان يعتبره عملا مسانداً أحياناً ،ولكن العمل الحقيقي هو ما يمكث في الارض ،ويفيد الناس، وأن راحته النفسية وانسجامه مع ذاته لا يتحقق الا من خلال بيوت مفتوحة من خلال أعمالة ، وأطفال تتفتح حياتهم على عمل أبائهم الذين رآهم عماد مثالاً للشرف والأمانة والمواطنة الصالحة ، ولذلك أتت أبوته لتكون عنواناً لحياته ، ومن الصعب أن يفتقد الأب والأصعب منه أن يغيب.

شكل خسارة كبيرة

رجل الاقتصاد المرحوم عماد الشخاترة شكل خسارة كبيرة للبلد، ولذويه ومحبيه والذين مر بابتسامته المشرقة في دروبهم، واضاء ليلهم، وما ترك الا قناديلا على كل الطرقات.في الشهر الاول من العام 2013، رحل الرجل الذي سارت باخباره ركبان، عن هذه الدنيا، اثر جلطة دماغية مباغته، سرقت الحلم.. والأمل والضياء من عيون محبيه للحظات، وإن ترك بذكراه في قلوبهم سلواهم الوحيدة والضوء الذي لا ينطفيء ولا يرحل أبداً.لا يحدثك أحد عن صاحب المختار مول الكائن في المدينة الرياضية الا ذاكرا خصاله الطيبة، ومقتبسا شيئا من اقواله، ومستشهدا بخلقه وصفاته الحميدة وابرزها الوفاء.. حين يعز الوفاء، والامانة والكرم والايثار.واحد من معارف الراحل يقول: وداعاً ياابا صخر ، وداعاً ياقلبنا النابض بالمحبة ، وداعاً ياعماد شخاترة ايها الرجل صاحب المكارم وصاحب الاخلاق الرفيعة التي ستبقى تنير دروب محبيك .ومن خلف ما مات.. فها هم اشبال ذلك الليث صخر ومحمد وسيف ، يملؤون الدنيا بذكره والدعاء له، سائرين على خطاه، وها هم اشقائه يواصلون ما ابتدأه..ما تزال الايادي التي لوحت في وداعك الاخير مرفوعة، والقلوب تخفق بذكرك الطيب، وهل الانسان الا ما يترك من ذكر وخير وايادي بيضاء لكل الناس؟.

ثلاثة لا ينقطع الذكر بهم

لا نمارس الرثاء ، ولكن سيرة ابي صخر تمثل رسالة لكثير ممن يجدون أنفسهم في محنة مع متطلبات الحياة ومن تغريهم منجزاتها ومكاسبها ، فعماد اليوم يزيد حضوراً ومكانة، لأنه ترك وراءه لدى الرحيل ثلاثة لا ينقطع الذكر بهم، علم ينتفع به من خلال جسور وطيدة ومستقرة للباحثين عن التجارة المنتجة ، وعملاً صالحاً لم يكن في حياته يحب أن يبدو ظاهراً ونحتفظ به كما شاء وأراد سراً حتى عن المقربين منه ، ورعاية تمثلت في تصرفاته وممارسته والأبناء الصالحين الذين يدعون له ويجعلون الناس ينظرون بإعجاب لما حظيوا به من تربية ورعاية انعكست على تصرفاتهم وأخلاقهم الحميدة.

فـ (المختار) عماد رجل فضل أن يحفر عميقاً في الحياة وأن يترك لمن وراءه الطريق مفتوحاً بينما يغفو في مرقده الوادع في قريته (تقبل) التي بدأ منها وانتهى اليها في وجوده الدنيوي، بينما يتدفق حضوره الروحي بما قدمه في الحياة بشكل كبير وعميق ومتشعب لا يمكن حصره أو الوقوف على حدوده،لان عماد فضل ان يمشي على الرمل لان المشي على الماء لا يترك أثرا…….

شاهد أيضاً

السفير الكويتي: العلاقات بين الأردن والكويت متينة وتاريخية

المملكة اليوم - وصف السفير الكويتي لدى الأردن حمد راشد المري، العلاقات بين بلاده والأردن …