الثلاثاء , 16-أكتوبر-2018
الرئيسية / أخبار محلية / محاضرة الشبول.. وخطوط الاشتباك
الشبول

محاضرة الشبول.. وخطوط الاشتباك

المملكة اليوم-

لم تستوعب الدولة الأردنية صدمة الخروج من واقع الإعلام الموجه، وخاصة أن الإعلام الورقي، والمرئي والمسموع، أدى دوراً مرموقاً في السبعينيات والثمانينيات في بناء حالة من التأهيل المجتمعي، واستغلت وسائل الإعلام الأردنية تخلصها من ضغوط صوت العرب التي كانت تعبر عن طموح جمال عبد الناصر في زعامة المنطقة ووضعها في مداره الخاص، ولكن الأمور لم تكن لتمضي على هذه الشاكلة المريحة، وتوالت التحديات أمام الإعلام الأردني، وتواصلت رعاية الدولة الوصائية التي وإن كانت عملت على المساهمة في استئناف المسيرة لمصلحة الاستمرار فإنها لم تكن لتفعل شيئاً ذا قيمة في المساعدة على بناء إعلام يمتلك المناعة الذاتية تجاه التحديات التي تحاصره، فضلاً عن أن كلاماً عن النمو والتطور والمنافسة أصبح ترفاً لا يمكن أن تتطلع له مؤسسات مثقلة المشكلات والأزمات.

الجسد الجديد

مثلت الصحف الأسبوعية في منتصف التسعينيات أول اختبار حقيقي أمام الإعلام الأردني، وتداعت مؤسسات كثيرة لاحتواء ما اعتبرته تقاليد وممارسات جديدة في الوسط الصحفي أدت إلى توسعه بصورة ايجابية نوعاً ماً، إلا أن الاختلاف على السقف المتاح أمام الأسبوعيات المتحفزة أقلق جهات كثيرة، وبدأت عملية كبيرة من إدخال الجسد الجديد المتمثل في مستثمرين مستجدين في بنية الإعلام الأردني، وعندما بدأت الأسبوعيات تلفظ أنفاسها الأخيرة انطلقت موجة عالية من المواقع الإلكترونية التي غيرت المشهد بصورة غير مسبوقة فلم يعد ممكناً على الرغم من جميع المناورات القانونية والإجرائية احتواء تكاثر هذه المواقع التي بدأت تفرض منطقها وطريقة عملها من خلال استغلالها لتكلفة الاستثمار المتواضعة، ولم تعد اعتبارات مثل المهنية تضغط على جيل المواقع الإلكترونية الذي يعد إنتاج المواد من نفس المصادر مع التركيز على بعض المواد الموجهة لغايات شخصية، فالصحفي الذي كان ينتظر مساحة في جريدة رسمية أو أسبوعية لم يعد ينتظر الموافقة من أحد ليطلق رسائله الشخصية عبر موقعه.

هذه الحالة أدت إلى تضخم كبير في الصحافة وأنتجت ظواهر صحفية جديدة لم تعد الأدوات التقليدية ولا لغة الخطاب المكرسة تتناسب معها، ومع عملية الفرز التي أدت إلى انطفاء العديد من الموقع وخفوت تأثيرها نتيجة توجه الزخم الإعلاني نحو مواقع معينة استطاعت أن تكتسب صبغة مؤسسية بعد عملية صراع البقاء الطويلة، ولكن دروساً مستفادة كثيرة أصبحت بحوزة المتابعين للشأن الإعلامي دون أن تكون كافية لتشكل توجهاً معيناً، وبعد سنوات انطلقت مواقع التواصل الاجتماعي لتفرض منطقاً جديداً لم تتشكل صورة مكتملة تجاهها، وليس مؤكداً أن الإعلام الأردني سيستطيع أن يتوصل إلى معادلة جديدة تعمل على اقامة علاقة طبيعية تتقبل المعطيات والمؤثرات الجديدة التي تتميز بكثافة وديناميكية عالية ربما ليس ممكناً التعامل معها إلا بعد عملية مطولة ومرهقة من التفاعل ستصل إلى مركب جديد يشكل حالة مختلفة عن الإعلام الأردني.

ترسيم خطوط الاشتباك

المحاضرة التي يقدمها الخبير الإعلامي فيصل الشبول والذي تنقل بين أطراف المعادلة الإعلامية وتعامل مع الصورة من أكثر من زاوية، تقدم مقاربة مهمة توصف من ناحية وضعية الإعلام الأردني وحالته الراهنة، ومن ناحية أخرى تعمل اقتراح استراتيجية للتعامل مع الشأن الإعلامي، وخاصة مع ظهور سؤال صريح ومرتفع النبرة يتساءل عما يتوجب اتخاذه من مواقف واجراءات ضمن اطار استراتيجية شاملة يجب أن تجد طريقاً للتطبيق قبل أن يجرف التسارع الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي تراثاً كبيراً من المنجز الإعلامي الأردني الذي لم يستنفد دوره وما زالت أمامه محطات مواجهة كثيرة وربما كبيرة في المرحلة المقبلة.

الشبول يقدم مقاربة بنكهة 360 درجة، وقراءة عميقة تتصف بالصراحة، ويبدو أنه بذل جهوداً كبيرة ليقدم رأياً متجرداً من موقع الخبير في شؤون الإعلام لا من موقع المسؤول الإعلامي الذي حتمت عليه وظيفته أن يتعامل مع العديد من الملفات الساخنة والمؤسسات المهمة خلال السنوات الأخيرة، والقراءة التي يقدمها يبدو أنها نجحت في حد بعيد في ترسيم خطوط الاشتباك بين إعلام الدولة ودوره المجتمعي والسياسي وبين إعلام ما بعد الحداثة بتركيزه على القيم المطلقة للحرية والتعبير، وهذه الورقة مؤهلة فعلياً لأن تحتل دوراً رئيسياً في عملية إصلاح إعلامي لو توجهت النية لدى القائمين على إدارة الملفات الإعلامية لاستيعاب دروس ثلاثة عقود من التحولات الدرامية التي أنهت عصراً إعلامياً كبيراً دون أن تتمكن من تشكيل ملامح عصر جديد.

وتاليا نص المحاضرة التي قدمها الشبول في معهد الاعلام الأردني

بعنوان “الإعلام في مواجهة التواصل الاجتماعي”:

ما يدفعني الى الخوض في هذه المسألة الشائكة، احساسٌ بالمسؤولية المهنية والاجتماعية على الأقل، اذ ثم اسباب اخرى أعرض، تواضعاً، عن ذكرها لئلا تحسب في خانة المزاودة.

لم تغب عن خاطري لحظة وانا افكر في اعداد هذه المحاضرة، مؤثراتٌ ثلاثة تحكم ردودَ أفعالنا وفهمنا لما يجري داخل وطننا ومن حولنا في المنطقة:

أولها : اننا نعيش في منطقة منكوبة تزداد نكبتها يوماً بعد يوم وتتمثل في الحروب والبغضاء والكراهية ومشاهد الدم والدمار والشحن الطائفي والعرقي اضافة الى جرح أقدم واقدس قضية عرفتها الانسانية الذي ما يزال ينزف حتى اليوم، وأعني القضية الفلسطينية كما تعلمون.

وثانيها: عقدة النقص المستمرة ازاء موقفنا من الاخر المتفوق، والاحساس الدائم بشعور المُتلقي الذي لا حول له ولا قوة سوى الانصياع لشروط الآخر. والآخر المتفوق لم يعد الغرب وحده كما كان على مدى قرن من الزمان على الأقل، بل وامتد الى أصقاع اخرى من العالم ( اليابان والصين والهند وروسيا وحتى دول في امريكا اللاتينية).

وثالثها: اننا ما زلنا نتوجس امام كل جديد، فتأتي ردات افعالنا متاخرة على الاغلب، ناهيك عن النظرة الى تصنيف الجديد “بالبدعة” من حيث المبدأ لدى كثيرين، فلا نتأخر فقط، بل وندير الظهر لمشكلات لا بد من مواجهتها ولو بعد حين.

أسوق تلك المؤثرات الثلاثة لكي اشير الى عالم اليوم الذي يعطينا فرصة نادرة لكي نساهم، فكريا وانسانياً وحضارياً في مشهد كوني تنتشر فيه الافكار والمعلومات والمبادرات الانسانية مثلما تنتشر الصور الحقيقية والمزيفة والاشاعة والتضليل والدعاية السلبية والاكاذيب في كل اصقاع الدنيا،. انه عالم جديد مليء بالقهر والظلم ولكن … وبالفرص ايضاً.

ولئلا نضيع الفرصة مرة اخرى، ولكي نتقدم ولو خطوة صغيرة الى الامام، عبر جسر الفجوة مع العالم المتقدم من حولنا، فلا بد من ان نفكر بصوت عال وان نعمل معاً بصرف النظر عن تباين مواقفنا من اجل مواجهة الواقع الجديد والعبور نحو مستقبل افضل ومؤازرة اجيالنا القادمة ومساهمتها في المشهد الانساني المتغير المتقلب.

وأرى اننا في الاردن اليوم مؤهلون لأن نحدث فرقاً في هذا الاقليم المضطرب لاسباب عدة منها اننا صرنا نمثل نموذجاً مختلفاً في الاستقرار والقدره على تخطي رياح التغيير بايجابية اضافة الى تميز الانسان الاردني اقليمياً في تعامله مع المستجدات ولا سيما في حقول التكنولوجيا والاتصالات.

وعليه فان مساهمتي اليوم سوف تكون تحت عنوان “الاعلام في مواجهة التواصل الاجتماعي”، وهي محاولة للاحاطة بملف صعب اليوم ، وخطير غداً وربما سيكون اكثر خطورة في المستقبل ان لم نُعد انفسنا للمواجهة.

انها – باختصار- المضامين السلبية وسوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي واثارها المباشرة على وسائل الاعلام وكذلك الخلط في اذهان العامة بين هذه الوسائل وتلك. وبالتالي اثر كل ذلك على الرأي العام وهذا هو الهدف من هذه المساهمة.

➢ فهل التواصل الاجتماعي صديق ام عدو للاعلام؟؟

➢ ما هي نقاط الالتقاء والافتراق بينهما؟؟

➢ هل يصبح الاعلام ضحية للتواصل الاجتماعي؟؟

➢ هل الفصل بينهما ممكن تشريعياً واكاديمياً؟؟

➢ ما الذي يفعله “الآخر” المتقدم في هذا الميدان؟؟

➢ هل تأخرنا في التعامل مع هذا الملف؟؟

ما سأقوله يقع في باب الاجتهاد، او لعله أقرب الى وجهة النظر منه الى البحث العلمي باستثناء ما ورد فيه من اقتباسات او اشارات الى المصادر.

ان الهدف من الخوض في هذه المسألة ينطلق في الاساس من اهمية الحفاظ على حق الناس في المعرفة والحصول على المعلومة الصحيحة وما يتطلبه ذلك من تعزيز حرية الاعلام وحق الناس في التعبير وليس كبت الحريات والتضييق على وسائل الاعلام او على وسائل التواصل الاجتماعي.

بمعنى، ان الهدف هو الاستثمار في المستقبل عبر حماية الصحافة وحريتها وحقها في العيش الكريم من مداخلها المشروعة وهو حق عام كفله الدستور وكرسته القوانين والانظمة، وبالتالي حماية حق الجمهور في المعرفة والتعبير عن همومه، وعن أماله وآلامه و ثقافته وهويته.

وقبل الشروع في تشخيص الحالة، لا بد من الاعتراف بالفضل الكبير للتكنولوجيا الحديثة بدءاً من الاقمار الصناعية وشبكة الانترنت والهواتف الذكية وتطبيقاتها وغيرها مما انجزته الانسانية خلال العقود الماضية على وسائل الاعلام وبالتالي على حق الانسانية في المعرفة . وهذا شيء صار مستقراً لا يقبل الجدل.

كما انه لا بد من الاعتراف ان وسائل التواصل الاجتماعي قد اسهمت بصورة جلية في تعزيز الحرية الشخصية والحريات العامة ومهارات التواصل والتخاطب واثراء المعرفة وسهولة الوصول الى اصحاب القرار والشخصيات العامة وقادة الراي وتبادل الثقافات.

الا ان حمى التواصل الاجتماعي والاستخدام السلبي لهذا المنجز الانساني وضع البشرية في مواجهة واقع صعب واصبح العالم يبحث عن حلول وفقاً لثفافة كل مجتمع وموروثه ومنظومته القانونية.

انطلاقاً من واقعنا محلياً، يصنف الاردن اليوم بانه في اعلى المراتب عالمياً من حيث نسبة استخدام مواطنيه، لوسائل التواصل الاجتماعي ومن هنا تبدأ القضية.

قبل نحو عقد من الزمان او يزيد قليلاً ، وعندما انفجرت ظاهرة المواقع الالكترونية، وقد شجعها التنافس فيما بينها على تجاوز الخطوط الحمر قانونياً واجتماعياً واخلاقياً عبر التعليقات المسيئة تحت اسماء صريحة او وهمية وعبر نشر الاخبار الكاذبة والخوض في الخصوصيات وحتى في الأعراض واغتيال السمعة، كانت حجة القائمين عليها في ذلك الوقت انها تنتمي الى شبكة الانترنت الدولية حول العالم وبالتالي فلا اختصاص مكانياً لمقاضاتها امام المحاكم.

تعديل مادة في قانون المطبوعات والنشر حمل مسؤولية النشر والتعليق لرئيس التحرير حد كثيراً من تلك الظاهرة الخطيرة التي لو استمرت كما كانت لدفعنا ثمناً اكبر مما دفعنا على مختلف المستويات وفي مقدمتها صورة الاردن وثقافة أهله، اضافة الى العنف الكلامي الذي قد يؤدي الى الفعل العنيف.

اليوم نقف على جبهة اخرى في مواجهة وسائل التواصل الاجتماعي، فقد عاد العنف الكلامي بصورة بشعه وتفشى خطاب الكراهية، وأستعير من رئيس الوزراء الفرنسي الحالي ادوار فيليب قوله: ” لا أحد سيقنعني ان شبكات التواصل الاجتماعي تعيش في الفضاء، ما ينشر في فرنسا فانه ينشر ويوزع في فرنسا وينبغي ان يخضع للمحاسبة بموجب القوانين الفرنسية”.

ويتابع…

في هذه الايام يتحمل مدير أي صحيفة (رئيس التحرير) المسؤولية الجنائية اذا نشرت تعليقات حافلة بالكراهية على موقعها الالكتروني، لكن اذا كانت (الصحيفة) تدير شبكة للتواصل الاجتماعي فكل شيء “مسموح” (انتهى الاقتباس)

والسؤال الذي نطرحه جميعاً اليوم هو كيف نتعامل مع هذا الواقع الجديد وما الذي نستطيع فعله في مواجهة هذا “الوحش” من دون المساس بحق العامة في ابداء الرأي والتعبير عن مواقفها وارائها؟

علينا ان ندرك اننا نعيش في عالم مختلف عما كان عليه قبل ثورة الاتصالات والتواصل الانساني الحثيث في مرحلة الاقمار الصناعية وشبكة الانترنت لذا فان علينا ان نقتدي بمجتمعاته ودوله المتقدمة علينا تكنولوجياً وديمقراطياً وحضارياً في مواجهتها لسلبيات هذه الثورة.

تحتل دول اوروبية كالسويد والنرويج وفرنسا وبريطانيا والمانيا مراتب متقدمة في التصنيف السنوي لحريات الاعلام في العالم. وعليه فان كنا سنحذو حذو دول ومجتمعات في التعامل مع سلبيات وسائل التواصل الاجتماعي فالاولى ان ندرس تجارب بعض هذه الدول لا ان نلحق بدول حجبت خدمات الانترنت او حجبت بعض وسائل التواصل الاجتماعي او محركات البحث او تطبيقات الهواتف الذكية.

والى ان نصل الى هذه الحال، لا بد من ان ننطلق من البيئة التشريعية المتوفرة وحال الاعلام والتواصل الاجتماعي في بلدنا، وكيف نبدأ.

بالعودة الى كلام رئيس الوزراء الفرنسي فاننا نكتشف ان موقفه المتشدد ازاء خطاب الكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي اعلن في (18/3/2018) اي بعد شهرين ونصف الشهر من خطاب للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون (3/1/2018)اعلن فيه نية حكومته تعديل قانون الاعلام الفرنسي (خلال العام الحالي) وذلك لمحاربة “الاخبار الكاذبة في وسائل التواصل الاجتماعي”. علماً بأن فرنسا تدعم الصحافة مالياً “باعتبارها جزءاً من الديمقراطية الفرنسية”.

كيف نبدأ نحن اذاً؟؟؟

تنص الفقرة الاولى من المادة 15 من الدستور الاردني:

“تكفل الدولة حرية الرأي ولكل اردني ان يعرب بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير بشرط ان لا يتجاوز حدود القانون”

لم تحدد الفقرة وسائل النشر بمعنى ان وسائل التواصل الاجتماعي مشمولة ضمناً ومكفولة في الدستور الاردني، ولكنها مشروطة بعدم تجاوز حدود القانون. هنا نتحدث عن قوانين الجرائم الالكترونية والاتصالات والعقوبات فهل هذه القوانين كافية وعادلة للتعامل مع سلبيات التواصل الاجتماعي؟

اما الفقرة الثالثة من المادة ذاتها فتنص على ما يلي :

“تكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة النشر ووسائل الاعلام ضمن حدود القانون”.

النص هنا واضح ومحدد فهو يتحدث عن وسائل الاعلام حصراً، ووسائل الاعلام محكومة بقوانين خاصة هي قانون المطبوعات والنشر وقانون المرئي والمسموع وقانون نقابة الصحفيين وهي الاولى بالتطبيق في حال المخالفة من القانون العام كقانون العقوبات مثلاً.

اذاً، فنحن امام بيئة تشريعية تساعد على الفصل التشريعي بين وسائل الاعلام من جهة ووسائل التواصل الاجتماعي من جهة اخرى الأمر الذي يسهل على الاكاديميين ضرورة التفريق بين هذه الوسائل وتلك مما سينعكس بمجمله ايجابا على المجتمع ككل.

فمن المعروف ان الرسالة الاعلامية محكومة بضوابط مهنية في الشكل والمضمون من حيث اكتمال عناصر الخبر ولغته واخلاقيات نشر النص والصورة وهو امر لا ينطبق على مضامين وسائل التواصل الاجتماعي بالضرورة.

صحيح ان كثيراً من وسائل الاعلام تقع في مخالفات مهنية جسيمة احياناً الا انها تخضع للمحاسبة سواء من هيئات التنظيم الذاتي كما في الدول الديمقراطية المتقدمة او من السلطات الحكومية كما في الدول غير الديمقراطية او من خلال المحاكم في معظم دول العالم.

اما تجاوزات وسائل التواصل الاجتماعي فلم يتوحد العالم حتى اليوم في ايجاد صيغة او صيغ تشريعية كافية للحد من الضرر الكبير الذي مس الامن الانساني برمته وليس أدل على ذلك من نجاح الجماعات الارهابية في تجنيد الاف الشبان وتمويل عملياتها الارهابية عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتنظيم داعش الارهابي ابرز دليل على ذلك.

وعليه فان وسائل الاعلام والاعلاميين والاكاديميين ورجال القانون مطالبون اليوم قبل غيرهم، اي قبل الحكومة والبرلمان في البحث عن وسائل حماية المجتمع من الرسائل السلبية مع الاخذ بعين الاعتبار حق الراي العام الدستوري في المعرفة وحماية حرية التعبير.

لقد باتت الصحافة ووسائل الاعلام التقليدية مهددة بسبب هذا الواقع الجديد، وقد ساهمت الصحافة خصوصاً في هذه الازمة عبر لجوئها الى وسائل التواصل في الاتجاهين: اطلاق منصات للصحف على وسائل التواصل، واعادة نشر مضامين من وسائل التواصل دون تدقيق في مضمونها.

نسيت الصحافة ووسائل الاعلام المحلية ان غالبية حصتها من سوق الاعلان رغم محدودية السوق المحلية باتت تذهب الى وسائل التواصل الاجتماعي فراجت هذه الأخيرة على حسابها بل وتفوقت عليها في المجمل بدليل تعامل الرأي العام مع احتجاجات الثلاثين من ايار الفائت وما تلاها.

ولقد ساهمت في طغيان الرسائل السلبية ومضامين التطرف لدى وسائل التواصل الاجتماعي بيئة عربية حاضنة للعنف والكراهية وخصوصا منذ مطلع العقد الحالي حيث الحروب والفتن والأخطر من ذلك ان بعض تلك المضامين باتت تتسرب الى الصحافة مما جعلها شريكة في الاثم احياناً.

من هنا فانني ادعو الى الانخراط وقبل فوات الأوان في مشروع وطني تتولاه وسائل الاعلام ومؤسسات المجتمع المدني المعنية والحكومة ومجلس الأمة ( نقابة الصحفيين، ممثلون عن وسائل الاعلام، قانونيون، هيئة الاعلام، هيئة تنظيم قطاع الاتصالات على سبيل المثال لا الحصر)، وتقوم على اربعة مستويات:

الاول: انشاء مرصد يكون على اتصال مع شركات التواصل الاجتماعي مباشرة ويتولى المهام التالية:

1. رصد الاخبار الكاذبة والملفقة وتفنيدها على الفور.

2. رصد خطاب الكراهية والتحريض على العنف بمختلف اشكاله.

3. رصد المضامين اللاأخلاقية ( وفقا للمعايير و القوانين و المواثيق المعمول بها للنشر في وسائل الاعلام).

4. الطلب من شركات التواصل الاجتماعي حذف تلك المضامين ضمن مهلة زمنية محددة.

الثاني : ايجاد تشريع جديد او تعديل تشريع او تشريعات قائمة تكفل ما يلي :

1. تحديد السن القانونية لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تحت طائلة المسؤولية التي تشمل الاهل في حال المخالفة و ذلك لحماية الاطفال .

2. تحديد العقوبات لمسيئي استخدام و سائل التواصل الاجتماعي و لا سيما ازاء خطاب الكراهية و التحريض على العنف و المضامين اللااخلاقية و الاخبار الكاذبة و تغليظ العقوبات المالية على المخالفين .

الثالث : مكافحة التهرب الضريبي و استنزاف العملة الصعبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ذلك ان حجم الاعلانات المحلية عبر تلك الوسائل يزداد يوماً بعد يوم نظراً لقلة كلفتها مقارنة باسعار الاعلان في و سائل الاعلام .

وللتوضيح فان الاعلان عبر وسائل التواصل الاجتماعي ينطوي على سلبيات ثلاث :

1. ينهب سوق الاعلان المخصص للاعلام المحلي ما دامت الرسالة الاعلانية موجهة للسوق المحليه .

2. لا يدفع المعلن ضريبة المبيعات اسوة بالضريبة المفروضة على الاعلان في وسائل الاعلام المحلية وحتى على اعلانات الشوارع .

3. تذهب بالعملة الصعبة الى شركات عملاقة في سوق وحيدة في العالم .

لقد غدت شركات التواصل الاجتماعي شركات عملاقة على مستوى العالم، ويكفي ان اشير الى مؤسس فيسبوك مارك زوكربرغ تقدر ثروته الشخصية اليوم بنحو 75 مليار دولار، وأن القيمة السوقية لشركته خسرت نحو 40 مليار دولار خلال ازمة تسريب بيانات مستخدمي فيسبوك و استجوابه امام الكونغرس الاميركي، ولكم ان تتخيلوا القيمة السوقية للشركة ان كانت خسرت هذا المبلغ في غضون اسابيع .

الرابع : الاسراع في تأسيس مجلس الشكاوى الذي نصت على تاسيسه الاستراتيجية الوطنية للاعلام الاردني و الذي تعثر بسبب تفاوت الاراء حول مرجعياته لابسبب المهام التي ستناط به وفقا للاستراتيجية .

و يتطلب الأمر، اضافة الى مواصفات اعضاء المجلس ، انشاء خط ساخن لرصد شكاوى المواطنين من المضامين السلبية في وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي على حد سواء و لا سيما المضامين التي تنقل بالتبادل بين هذه الوسائل و تلك .

نحن اذاً امام حالة لا بد من مواجهتها لكننا لسنا وحدنا فالعالم المتقدم علينا على صعيد الحريات الشخصية والعامة والتكنولوجيا قد باشر بإجراءات فعلية ارى ان من الواجب استحضارها والاستفادة منها والبناء عليها .

تحدثنا قليلاً عن تجربة فرنسا التي تسعى الى تعديل قانون الاعلام وهو قانون قديم ويحظى باحترام الفرنسيين. اما السويد وهي التي تحتل مراتب متقدمة في تصنيف الحريات الصحفية عالمياً، بل واحتلت المرتبة الاولى اكثر من مرة مؤخراً، فقد اكتشفت هيئات التنظيم الذاتي للصحافة السويدية ان ما نسبته 64% من حصة الصحافة في سوق الاعلان قد باتت تذهب الى وسائل التواصل الاجتماعي ، لذلك فقد طالبت بوضع تشريع يحمي الصحافة السويدية.

اما الحكومة السويدية فقد بدأت منذ عامين بوضع تشريعات تستهدف تحديد السن المؤهلة لاستخدام شبكات التواصل الاجتماعي ب (16 عاماً) وقبل هذه السن تكون مسؤولية الوالدين وان يطبق هذا المبدأ على جميع دول الاتحاد الاوروبي مع مرونة في تحديد السن حتى (13 عاماً) ولكن ليس دون ذلك السن.

كما تستهدف التشريعات وضع عقوبات بحق مسيئي استخدام وسائل التواصل الاجتماعي عبر “التهديدات غير القانونية وانتهاكات الخصوصية والعنصرية.

اما في المانيا فقد سنت الحكومة تشريعاً بُدء العمل به منذ مطلع العام الحالي يفرض على شركات التواصل الاجتماعي حذف الاخبار الكاذبة وخطاب الكراهية والقذف والتهديد خلال مدة زمنية قصيرة تحت طائلة غرامة مالية تصل الى 50 مليون يورو.

واما في الولايات المتحدة، حيث وقعت احداث عنصرية في مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا في شهر آب من العام الماضي وادت الى مقتل ثلاثة اشخاص واصابة العشرات فقد حمل الرأي العام الامريكي وسائل التواصل الاجتماعي مسؤولية التحريض على العنف الأمر الذي حدا بشركات التواصل الاجتماعي الى الحذف الفوري للمضامين العنصرية.

وفي اوروبا اظهرت احصائيات جديدة للاتحاد الاوروبي مطلع العام الحالي ان شركات التواصل الاجتماعي “فيسبوك وتويتر ويوتيوب” التابعة لشركة جوجل سرّعت بدرجة كبيرة من وتيرة عملياتها لازالة خطاب الكراهية المنشورة عبر الانترنت خلال 24 ساعة.

وحسب تقرير لوكالة رويترز في 18/1/2018، فان الشركات كانت وقعت مدونة سلوك مع الاتحاد الاوروبي لمراجعة الشكاوي خلال 24 ساعة.

وافادت الاحصائيات بان الشركات الثلاث التزمت بنسبة 81% خلال الشهر الاخير من عام 2017 مقابل 51% في شهر ايار من العام ذاته. وذكرت ان 50% من محتوى الكراهية كان على فيسبوك مقابل 26% على تويتر و24% على اليوتيوب.

واما في بريطانيا فقد قام باحثون من جامعة “وارويك” بدراسة اواخر العام الماضي ربطت نتائجها بين خطاب الكراهية والاعتداءات التي يتعرض لها اللاجئون في المانيا وفي الولايات المتحدة. وتوصلت الدراسة (وفقا لمؤسسة الاذاعة والتلفزيون الالمانية دويتش فيله) الى ان نسبة الاعتداء في المانيا تنخفض بنحو 13% في الاماكن التي لا تنتشر فيها خطابات الكراهية او التي تضعف فيها شبكة الانترنت.

اما في الولايات المتحدة فقد خلصت الدراسة الى ان الاعتداءات على الاقليات تزداد بعد تغريدات الرئيس الامريكي دونالد ترمب.

خلاصة القول فان وسائل الاعلام لجأت الى فتح حسابات على وسائل التواصل الاحتماعي بهدف زيادة الانتشار ثم اعتمدت على ما تنشره الشخصيات العامة على تلك الوسائل كمصادر اخبارية، بل واكثر من ذلك انها اصبحت تعيد نشر رسائل وصور وفيديوهات نشرت على تلك الوسائل.

في المقابل فقد اعتمدت وسائل التواصل الاجتماعي في مضامينها على اعادة نشر محتوى وسائل الاعلام من نصوص وصور وفيديو.

الفارق بين هذه وتلك ان وسائل الاعلام تتحفظ في كثير من الاحيان في اعادة النشر نظراً لمحظورات النشر القانونية والاخلاقية التي تلتزم بها، اما وسائل التواصل الاجتماعي فليس لديها مثل هذه التحفظات وبالتالي فانها تعتبر اعادة نشر محتوى وسائل الاعلام آمناً.

وبالنتيجة فقد صارت وسائل التواصل الاجتماعي اكثر رواجاً واستحوذت على اعلانات السوق وغدت منافساً حقيقياً لوسائل الاعلام، بل واكثر من ذلك انها صارت في جانب من افرازاتها مصدراً خطيراً للاشاعة والاخبار الكاذبة وخطاب الكراهية.

باختصار فان علينا التحرك لدعم وسائل الاعلام المحلية الجادة والملتزمة ولا سيما الصحافة الورقية التي تعاني اليوم اشد المعاناة أسوة بالدول المتقدمة في دعم الحريات العامة التي تعتبر دعم الصحافة دعماً للديمقراطية وحق مواطنيها في التعبير والمعلومات واسوة بدعم الأحزاب السياسية كي نحمي مجتمعنا من المحتويات السلبية للتواصل الاجتماعي… ومن هنا تبدأ الخطوة الأولى.

 

شاهد أيضاً

غنيمات: خطاب العرش توجيه وطني استراتيجي للحكومة

المملكة اليوم- أكدت وزير الدّولة لشؤون الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة جمانة غنيمات، أنّ خطاب …