السبت , 8-أغسطس-2020

سامح المحاريق يكتب: الأردنيون بين قراءة الهوية وإشكالية الشخصية!

احتلت مسألة الهوية موقعاً كبيراً بين الإنتاج المعرفي على مستوى التنظير السياسي والاجتماعي في الأردن، حتى أن البعض أخذ يضيق ذرعاً بهذه المقولة التي استهلكت وأشبعت بحثاً وأسفرت عن كثير من التجاذبات والإشكاليات، وتوصل البعض إلى نظرية مؤداها أن الأردنيين يعانون من أزمة هوية، أو لنتحدث بكثير من التجرد، عقدة نقص تجاه الهوية.
المبالغة في الحديث عن تعريف الهوية الأردنية أتت بآثار سلبية في مجال دراسات أخرى كان يجب التصدي لها بخصوص الشخصية الأردنية، وهي المبحث الضروري لبناء رؤية متكاملة لمزاج المجتمع الأردني وتوجهاته، والقدرة على إطلاق تصورات إجرائية للتواصل البناء معه، والبحث في الشخصية، سواء شخصية الدولة أو مواطنيها يتجلى في إسهامات عربية متعددة من أهمها جمال حمدان في مصر وعلي الوردي في العراق، وكل ما لدينا على هذا المستوى هو توثيق يفتقد للتحليل إلا في محاولات متميزة في أعمال د. حسين محادين وأ. أحمد أبو خليل.
الأردن، مثل العراق وسوريا وفلسطين، لا يتطابق في جغرافيته مع جذوره التاريخية، فكان عادة أوسع أو أصغر مما تبديه الخارطة السياسية الحالية، وحالة الفصام بين التاريخ والجغرافيا ليست نقيصة يمكن أن توجه لأي بلد كان، فألمانيا، لم تتطابق جغرافيتها السياسية مع تاريخها القومي مطلقاً، ولم تستطع أن تولد هذه الهوية التي يحاول الأردن أن يصطنعها لنفسه، ويمكن أن دولاً قليلة مثل اليابان كان يمكنها أن تحقق ذلك لأسباب العزلة الجغرافية في جزيرة بعيدة عن تفاعلات العالم.
ويضاف إلى تعقيد الحالة الأردنية، مرحلة طويلة من الانضواء اقليماً خاضعاً لأهواء التقسيم الإداري العثماني، فتارة يكون جزءاً من ولاية وتارة تتقاطع على أرضه ولايات تتمدد وتنكمش حسب تقديرات تجري في مركز مهيمن وبعيد انفصل وجدانياً مع الوقت عن أطرافه.
الموقع الطرفي للأردن في الإمبراطورية العثمانية، وطبيعته كممر بأكثر مما هو وعاء ضريبي للعثمانيين كما هي الحال في المدن التجارية الكبيرة أو الأرياف الممتدة في مصر والعراق والشام، أعطى الأردن جملة من المزايا تمثلت في محافظته على معادلات تعايش منفتحة، وأفلت الأردن من مصائر كثيرة في لعبة إعادة هندسة الأرض والناس على شاكلة ما كان يجري بين الأكراد والأرمن، أو لعبة الاختباء في الجبال كما فعلت أقليات كثيرة من الموارنة والدروز والعلويين في جبال الساحل السوري واللبناني، أي أن الرقعة الزراعية الأردنية وجدت نفسها في علاقة طيبة مع محيطها، وعلى الرغم من الصراعات الاعتيادية والموسمية، إلا أنها لم تشكل يوماً أرضية لعلاقة ثأرية تقوم على تمييز عرقي أو ديني، فمسيحيو الأردن يبقون تقريباً الفئة الوحيدة بين مسيحيي العالم بأسره التي تطلق أسماء مثل عمر وزيد على أبنائها، مع أن هذه الأسماء تعود لأبطال فاتحين في المرويات الإسلامية التقليدية.
لم يكن الأردن أكثر تقدماً أو تخلفاً من غيره في الأقاليم العثمانية – العربية، ولكنه دائماً كان بعيداً بصورة نسبية عن التوتر، ويحاول أن يستقل بقصته بعيداً عن الإمبراطورية التي ما كانت تعطيه أهمية كبيرة إلا بعد جفاف ضرع عوائدها في الأماكن الأكثر خصباً، ولذلك لم يتشكل الأردن ككيان سياسي إلا بعد أن تمت عملية التقاسم الإمبريالي في الأقاليم الأكثر جاذبية من الناحية الاقتصادية والجغرافية.
ثم ماذا؟
كان الأردن يمثل مفاجأة كبيرة لجيرانه، فبينما بقيت تتفاعل الصراعات الداخلية على أرضية الهندسة المتعسفة سكانياً وطائفياً، استطاع الأردن أن يستجمع نقاط ضعفه في المنظور المركزي للإمبراطورية العثمانية لتتحول إلى نموذج خاص في قدرته على الموازنة بين متناقضين أساسيين يتمثل الأول في أن الأردن بشكل عام يعتبر الدولة العربية التي تنفتح في أحد أدبياتها الجوهرية وهي الثورة العربية الكبرى على فكرة التماهي في كيان عربي أكثر شمولية، وهي الدولة التي تحفظت أيضاً على أكثر من مشروع وحدوي كانت تدفعه طموحات الناصريين والبعثيين، بمعنى الاصرار على تلك الهوية الخاصة القائمة على التصالح مع فكرة التاريخ، وهي هوية مثل الدولة الأردنية ومثل معظم الأردنيين منفتحة في طبيعتها، محيرة وملغزة، وعلى جانب كبير من المرونة، هي هوية استقلال بقيت في حالة الحركة الدائمة ولم تصل إلى مرحلة الجمود، ويبدو أنها بعيدة عن ذلك، والتعريف يتطلب جانباً من تجميد اللحظة التاريخية، أو الالتفاف حول حقيقية جغرافية مثل نهر أو واد أو جبل.
تفاعلت الهوية الأردنية بمحاذاة الاستقلال وبموازاة ظروف إقليمية غير مواتية في معظم الأحيان، وما زالت إلى اليوم رهناً للتفاعل، ولا تجدي نفعاً محاولة اقتناصها أو تحديدها أو تأطيرها، وعلى المنظر السياسي في الأردن أن يتوجه لدراسة الشعب الأردني داخل سياق الدولة الأردنية وشروطها بعد أن يميز بدقة بين مكونات الهوية الدينية والعرقية والقومية من جهة، وبين ما تعنيه الهوية بوصفها مدخلاً لتفهم الشخصية الأردنية التي لم تشهد عملية توصيف مناسبة، وبما قد يفسر إشكاليات كثيرة في صياغة الخطاب السياسي والاجتماعي واستقباله بين الدولة ومواطنيها.

شاهد أيضاً

سابقة لـ (الحسين) لم تتكرر ..

كتب ناصر قمش – في زمن جميل كان بائعو الصحف يتراكضون بسرعة بين السيارات ليلبوا …