الأربعاء , 19-يونيو-2024
الراحل عمران خير

أحمد سلامة يكتب: يا عمّان يا عمران

المملكة اليوم -

أمس …
عزاني الصديق والحبيب “رفعت” فجأة..
العمر لك يابا..
أنا في طريقي للمشاركة في تشييع جثمان العم أبو علي رحمه الله..
وقال:
أعرف حجم حزنك وانكسار قلبك، لكن اسمح لي أن أنوب عن تمثيل روحك المجروحة في مراسم التشييع، فصحتك لا تحتمل المغامرة..
وهكذا كسرني الولي مرتين، بموت عمران المفاجئ وضعفي..
بكيته مثل طفل لأنني عايشته حباً صافياً في ميعة صبانا وعنفوان الشباب.
“عمران خير شمسي خير” ..
شمس عمان ودهرها الأصيل حضر عرسنا، مها وأنا وشاركته عرسه وتعشينا في معية العروس سيرين عند مها، وجبته التي يفضلها دوما ” المسخن”..
كانت أعراس عمان بسيطة مثل كل عشاء للفقراء..
دهرٌ من الحب عمران كان..
ودهر من عمان عمران ظل..
ودهرٌ من أخوة سامية مثل قاسيون لم يعكر صفوها لحظة في عمرنا..
وحتى حين اختطفت (الرأي) ذات لحظة من عصر جاهلي مضى من زمان، التزم هو لأخوته الحياد والبعاد..
عمران خير..
“أبو علي”، كان يلقب في عمان أيام الشباب بـ”منيكس” ممثل المسلسل الأميركي الأشهر في السبعينات، الطاعن في الوسامة حد عمران، والمعبر عن الأناقة حتى وسمه..
كان هو عمان وكانت عمان مثله، عمان وعمران كانا شيئاً واحداً والمدن تشبه رجالاتها وأشجارها وفواكهها وظلت عمان بلد التين والزعتر وعمران..
آخر كرومها كانت لهم (كرم أبو قورة)..
وأول الفروسية في عمان بدأت بهم حين بنى الهواشم عمان على هيئتهم وقبل أن تتغير ملامحها وتصير مثلنا كان في قلبها سعيد خير.
لقد حمل المؤسس الكبير سيدنا عبد الله الذي أتانا بالاستقلال كفاحا سياسياً، بكفاحه هو وبحكمته هو، وسلمنا مفاتيح الاستقلال برداً وسلاماً، لم تتدهور حافلة في يوم استقلالنا ويجرح تاجر خردة ليمن علينا أحد سواه باستقلالنا، ونقول انتزعنا استقلالنا بالدم، لذلك كان وطننا حضاريا غير دموي أبداً، لأن حكمة المؤسس وتحضر البناة ورقيهم من دليوان جنوباً حتى علي خلقي شمالاً وفي قلب القلب سعيد خير..
عمّان بين روح سعيد خير الأميرلاي الفذ، الذي قضى على روح التمرد ضد الدولة في مهدها، وكرمْ عبد اللطيف أبو قورة الذي كان أول اللزاب والمشمش والدراق والتفاح العسلوني والتين والزيتون، ووفاءً للأجداد، ومن حسن حظ عمران أن عاد لمجاورة ذلك الكرمْ يدير (الرأي) من جواره..
كانت عمان هي دمشق بطبعتها الهاشمية، حين فرّ سراة القوم إلى معان أولاً لملاقاة “الهاشمي” والمباشرة بانشاء الكيان القومي رداً على احتلال غورو لدمشق “المملكة الاردنية الهاشمية”، ماذا يعني هذا؟
يعني:
يعني أن هذا الكيان ملكي والوطن أردني والرسالة هاشمية..
والهاشمية تعني العروبة كلها والإسلام بأجمعه والطبعة للعروبة والإسلام بنسختها الهاشمية تعني كلمتين (العدالة والتسامح)..
كانت عمان واحة من بروق ووعود يعربية..
كان “رغدان” في عمان بإلحاح وبقصد من تسميته هكذا كما قال المؤسس رضوان الله عليه (استبشاراً للرغد الذي نعد به أبناء عمان وساكنيها)..
فالذي أضاءها كان محمد علي بدير رحمه الله..
والذي جعل أول تلة عربية إسلامية، تشرف على المطران لكنها أعلى كانت كلية عبد اللطيف أبو قورة وصحبه، العلمية الإسلامية، ومات عبد اللطيف وهو يستأجر منزله استئجارا في عمان..
والذي جعل من احتفالية الأردن الفلكلورية، والذي امتاز به الأردني أنه “طعّام زاد”، وزاده المنسف الذي رفعه إلى مستوى العالمية هو أنبل طعّام زاد في عمان، صحبي جبري رحمه الله، رجل الخير والعطاء.
عمان أول التحضر وأول الحب وأول الجمال..
عمان مدينة سعيد خير الذي وقف جلالة الملك المؤسس على ضريحه وقال “لو أجاز الإسلام لي، نصب التماثيل، لجعلت تمثالك يا سعيد على باب رغدان كي أراك فيه كل يوم”..
أدراج عمان:
ووردة الخبيزة المتعددة الألوان..
والياسمين المدلى على أعناق الجبال السبعة..
والأعمدة الكورنثية في مبانيها والحجر الحلبي الأحمر..
كلها وغيرها وصايا دمشق وآثارها في أروقة عمان وحوارييها.
وفقيدنا عمران اليوم، هو الوارث الشرعي لكل هذا التراث السامي..
عرفته زميلا في الدراسات العليا في الجامعة الأردنية، كنا نستقوي بمهابته، وظل حييا يزداد تواضعاً، وظللنا على حب وأخوة، حين غادر مديرا لمخابرات العقبة سنة 1982، كان يلح لنزوره فيكرمنا، وبعدها عاد مديرا لشعبة الضفة الغربية في المخابرات العامة.
قال لي شقيقي عباس الذي قابله عمران خير بعد أن قضى اثنا عشر عاما في سجون الاحتلال وجاء لزيارتي أول مرة في حياته، وكنت حينها موظفا في الديوان الملكي الهاشمي ولم أخبر “أبو علي” ان عباس مطلوب للمراجعة في دائرة المخابرات العامة، حين عاد عباس من يوم التحقيق في المخابرات سألته: شو صار معك، احكي لي (وجدت عباس دامع العينين، فخشيت أن يكون الصحاب في الدائرة قد قسوا عليه) يومها عثرت على أعذب تعريف للمخابرات العامة ودورها سمعته حتى الآن..
قال لي: التقيت بشاب وسيم جداً، قدم نفسه قبل التحقيق بأنه العقيد عمران خير، رئيس الشعبة، وأضاف بكيت هذا اليوم لأنني أول مرة في حياتي أحس أن ضابط المخابرات يمت لي بصلة قربى وان لي وطناً آمناً أستدفئ به بعد أن قضيت اثنا عشر عاماً في سجون الاحتلال..
ثم بعد ذلك انتقل عمران نائبا لذلك الفارس الطيب النبيل سميح بينو في شعبة مكافحة الفساد بالمخابرات، وظل يلاحق قضايا الوطن كما كان دوماً..
عمران خير..
كان أمهر فرسان لعبة البولو، تلك اللعبة الراقية التي رعاها وقادها الى معارج التميز والفوز الدولي الأمير الحسن بن طلال، وكان الثنائي انمار الحمود وعمران خير رحمهما الله أجمل فرسان الوطن، حين يداعبون سرج الخيل في الميدان وينتظرون صافرة الباشا الحكم الدولي نذير رشيد..
وعمران مثل بعضنا ، ظُلم وكظم غيظه، وقبل بقدره مديرا عاما في جريدة الرأي، وفي ظني انه كان أجدر من ذلك بكثير رغم أهمية الرأي ودورها الذي سيبقى على المدى الاردني وان تخاذل الكارهون..
عمران خير أيقونة وحدة المجتمع الأردني والتحام الناس ببعضها وتسرب البداوة الى التحضر وتسرب الحضارة إلى البداوة، فهو تسرب من الشميساني ليقضي بقية حياته في أم العمد..
هو ابن آل خير الكرام، وشقيقته الكبرى زوجة المرحوم ( نواش) شقيق كبير القوم والمجد في سماء حمر النواظر الوحدوي عاكف “أبو فيصل” يرحمه الله، واخته الصغرى هي في عصمة احد فرسان آل الزبن، وأم البنين التي أدعو الله أن يلهمها الصبر والسلوان “سيرين فاروقة” سيدة جليلة من عائلة شركسية مثلت روح الوحدة الاردنية، فهم سكنوا كحارس بوابة في جبل عمان، وجمعت مصاهراتهم لكل ألوان الطيف، جمعت يافا إلى القفقاس إلى دمشق..
عمران أمين احد قادة القرات الخاصة، كان خالا للصبايا الثلاثة، وخالد سجكها تزوج الكبرى
ونارت قناش أحد قادة الأجهزة الأمنية المختصة بمكافحة الإرهاب كان الصهر الثاني، وعمران خير رحمه الله كان زوج سيرين الشقيقة الصغرى، وكريمة عمران البكر “نور عينيه” اختارها زوجاً هاشم الدلابيح من خيار بني حسن..
رحمك الله يا عمران..
أيها الصديق الوفي، يا عنوان الحب الأخوي..
سلام على روحك الطاهرة وهي تصعد إلى بارئها حزناً على حالنا، فتركتنا في كف الكورونا الظالمة، وجراحات اللغط والرطانة واللغة الغريبة علينا والجديدة.
سلام عليك رجل مواقف وسلام عليك حين وضعت روحك على كفك “فدوى لعيون الأردن” طوال خدمتك في المخابرات العامة وفياً لرسالة أجدادك وباراً بقسمك..
سلام عليك من لحظة أن رأيتك فيها تلاعب الخطام واللجام تمهيدا لامتطاء صهوة فرسك دفاعاً عن الوطن.
وسلام عليك حين كنت تذهب وأنت ضابط لمزرعتك المنتجة فتحرثها بيديك مطلع الثمنينات في أهراء الرصيفة..
وسلام عليك يا أكرم الناس يا من عشت في كنف عمان عاشقاً.
ووري جسدك أمس في جوار أهل الكهف بالرجيب..
حزني عليك حتى ألحق بك، وعزائي بـ “علي” الولي المبدع الذي سيكمل مشوار حبك لعمان، وأصدق المواساة لحبات عينيك نور وهيا وأمهما، فلقد ظللّت تلك الاسرة بغابة من وداعة وحنان يصح أن تكون درساً في الأبوة لنا جميعاً..
أيها العماني النبيل..
أيها العماني الأصيل نم قرير العين، فعمان ستفتقدك إلى الأبد..

شاهد أيضاً

السفير الكويتي: العلاقات بين الأردن والكويت متينة وتاريخية

المملكة اليوم - وصف السفير الكويتي لدى الأردن حمد راشد المري، العلاقات بين بلاده والأردن …