الثلاثاء , 25-يونيو-2024

البطوش يكتب: الملك .. وسبُل مواجهة الإسلاموفوبيا

المملكة اليوم -

بتحليل مضمون خطاب الملك عبدالله الثاني الذي قدّمه خلال ربع قرن من القيادة والتواصل مع العالم، نجد رؤية واضحة لأساب ظاهرة الإسلاموفوبيا وأشكالها ومخاطرها ونتائجها، ولسبل مواجهة هذه الظاهرة، وفي هذا الصدّد يعبّر جلالته عن إيمانه بمسؤولية المسلمين جميعاً عن تقديم الإسلام بصورته الحقيقيّة للعالم، في مواجهة عمليات التخويف الجارية منه، والصور النمطية المقترنة ظلماً في العقل الغربي بالإسلام. واستند إلى فكرة جوهرية تقوم على ضرورة أن يتعرّف العالم إلى الإسلام بحقيقته، بعيداً عن ما يثيره التطرف المرتبط بالإسلام من ممارسات مشوّهة، وبعيداً عن ما تثيره قوى متطرفة من غير المسلمين ضد الإسلام.

ويلفت الملك عبدالله الثاني أنظار المسلمين إلى أن الأسلام كان سبّاقاً إلى قيم التعايش والمواطنة وقبول الآخر، فقد رسّخت المجتمعات المسلمة قيم التماسك، وبنت مجتمعاً متماسكاً، وعرفت مفهوم “الأمة، أي المجتمع المسلم الواحد على امتداد العالم”. وقبل وقت طويل من تقارب الثقافات المتباعدة بفضل التقنيات الحديثة، كان الإسلام مضرب المثل في التعايش السلمي والمساواة والكرامة بين جميع الناس”، مؤكداً أن التجربة التاريخية للأمة الإسلامية جسّدت “رسالة الإسلام الحنيف الحقيقية، المتسامح والتعددي، والقائم على المذاهب، والمكرّس لمحبة الله، والاقتداء بالنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، والداعي لحياة تسودها الفضيلة ومعاملة الآخرين بالإحسان والعدل”. وشدّد الخطاب الملكي على أن “القيم الروحية والاجتماعية للإسلام في غاية الأهمية لمستقبل العالم، ولكل مسلم دور يلعبه – خاصة أبناؤنا وبناتنا الشباب – للمساعدة في إرشاد البشرية إلى الطريق الصحيح” (خطاب جلالته في مؤتمر نهضة الأمة، جاكارتا،2014)، وهذا ماسبق معالجته في مناسبات عدّة، مما يرسم دوراً ريادياً للإنسان المسلم في العالم المعاصر الذي طالما احتاج للقيم التي أرساها الإسلام.(خطاب جلالته في نادي الصحافة الأوروبي – الأمريكي، باريس، 2006).

ويغتنم الملك عبدالله الثاني مناسبات عدة لمخاطبة العقل الغربي بهدف توضيح المعنى الحقيقي لأن يكون المرءُ مسلماً؛ مؤكداً على المعاني الإنسانية التي يتضمنها الإسلام: “فأنا وغالبية المسلمين، قد نشأنا منذ الطفولة ونحن نتعلم أن الإسلام يفرض إحترام الآخرين وتقديم الرعاية لهم”، ويدل على ذلك تحية الإسلام وهي السلام على الآخرين ولهم، ” كما أن من بين أسماء الله الحسنى “الرحمن الرحيم” وفي كل يوم، وطوال حياتي، يتبادل الناس تحية “السلام عليكم” وهي دعاء للآخر بأن ينعم بالسلام، وهذا ما يعنيه أن يكون المرء مسلماً”.(خطاب جلالته أمام البرلمان الأوروبي، ستراسبورغ، 2015).

ولما كانت الصورة النمطيّة السائدة في الغرب وفي أنحاء مختلفة من العالم، توحي بأن الإسلام يحضّ على كراهية الآخر، فإنّ الملك عبدالله يفنّد هذا الإدعاء، ويعيد السبب في ذلك إلى الجهل بحقيقة الإسلام، كما بسبب الصور النمطية التي يجري ربطها بالإسلام. والصور النمطية منبعها التطرّف وهو ليس حكراً على الإسلام دون غيره من الأديان والثقافات. (مقالة بقلم جلالته، صحيفة كورييري ديلا سيرا الإيطالية، 2005).

ويلتفت الخطاب الملكي إلى أهمية دور الأقليات والجاليات المسلمة في العالم في مواجهة الإسلاموفوبيا، من خلال تصحيح المفاهيم العالمية المشوهة حول الإسلام، لا سيما في مجال كسر الصورة النمطية للإنسان المسلم في العقل الغربي، بهدف تحقيق إندماج أقوى وأعمق للأقليات والجاليات المسلمة في المجتمعات التي يعيشون فيها، لينهضوا بواجبهم ودورهم المهم في دحض الشبهات المثارة حول الإسلام. كما يهتم بدعوة المسلمين إلى الانخراط في المجتمع الإنساني والمساهمة في تعزيز القيم الروحية والاجتماعية للمجتمعات المعاصرة، والعمل المخلص من أجل بناء مجتمعات متماسكة.

ويحذّر جلالته من أن تسهم “الإسلاموفوبيا” في تحويل الأقليات المسلمة إلى مجتمعات معزولة وكتلة بشرية منغلقة على ذاتها بسبب التهميش والإقصاء. ويؤصل لمفهوم مواطنة المسلم العالمية بربطها بمبادئ الإسلام وقيمه وموروثه الحضاري الإنساني. وفي خطابه في محكمة العدل الدولية(2006)، لفت أنظار العالم والغرب إلى أن الإسلام يمدّ المسلم بميراث قيمي هائل وزاخر، وأن الإسلام يقدّم مساهمة رائدة في تطور القانون والعدالة العالميين، ويؤكد جلالته “وفي واقع الأمر، يرى المسلمون أن المواطنة العالمية الصالحة؛ المتمثلة في العدالة والنزاهة في التعامل ما بين الناس، بغض النظر عن الدين أو الجنس أو الجنسية، تعتبر حجر الزاوية في الحياة الفاضلة القائمة على التقوى”.

ويقدّم الخطاب الملكي المعادلة الذهبية لإندماج المسلمين بشكل طبيعي في مجتمعاتهم، فيقول: “ووفقاً للشريعة الإسلامية، فإن المسلمين الذين يعيشون في بلدان مثل الدول الأوروبية، حيث يتمتع المسلمون بالعدالة دون تمييز، وبحرية ممارسة طقوسهم الدينية، وحتى بالتعبير عن معتقداتهم في المنتديات العامة، يتوجب عليهم التقيّد بقوانين البلدان التي يعيشون فيها، والخضوع لأحكامها”. وهذا السلوك الإيجابي البنّاء- في قناعة الملك عبدالله الثاني- مطبّق في حياة الملايين من المسلمين في العالم، ويقول: “هناك ملايين عديدة تفعل هذا، وتعيش بسلام وحياة منتجة، لمصلحة المجتمع بأكمله، وهذا في حد ذاته تعبير عن الإيمان، والمجتمعات الإسلامية في كل مكان في العالم شركاء هامّون من أجل السلام والتقدم”. (خطاب جلالته في قاعة مدينة أمستردام، 2006)؛ فهم ينخرطون في مجتمعاتهم لأن “الإسلام لا يطلب من المسلمين أن يعزلوا أنفسهم عن تقدم التنمية الإنسانية، بل إن الإسلام يدعو الناس لكي يشاركوا بنشاط وفاعلية في الحياة العامة، هذه هي خلاصة المواطنة الصالحة، في أي مكان في العالم”. (خطاب جلالته في قاعة مدينة أمستردام، 2006). وفي المقابل يوجّه رسائله إلى المجتمع الدولي، لضمان تقبّل الأقليات المسلمة ودمجها: “فعندما يتم إقصاء المسلمين وحرمانهم من المساهمة وأداء دورهم بسبب التحيّز ضدهم أو الجهل بحقيقة الإسلام، أو عندما يسعى الخوارج لتضليل بعض المسلمين أو تشويه ديننا عبر تعاليم خاطئة، فإن الخطر سيحدق بمستقبل مجتمعاتنا كلها”. (خطاب جلالته في الجمعية العامة للأمم المتحدة، 2016).

• أستاذ التاريخ والحضارة جامعة الحسين التقنيّة