الخميس , 13-يونيو-2024

برهومة يكتب: انتخاب سمر دودين .. ضربة معلّم

المملكة اليوم -

حجبت الحرب الوحشيّة على غزّة أخباراً كثيرة عن التداول المستحَقّ. فالموت الذي يطوف على أهالي القطاع منذ السابع من أكتوبر، يجعل التحديق في أيّ شيء آخر ضرباً من الرفاهية، أو خيانة للحظة القاسية التي تستوجب الصمت المقدّس، صيانة لجلال المأساة القهّارة.

بيْد أنّ في استذكار حدث كاختيار السيّدة سمر دودين أمينة عامّة لحزب ديمقراطيّ اجتماعيّ، ما يرفد اللحظة المقاوِمة سواء في فلسطين أو في الأردن، أو في أية بقعة تعاني من ضيم وجحود وغياب العدالة والمساواة، وما أكثر تلك البقع والبقاع!

وما يحملني على الكتابة عن سمر ليست، فحسب، لأنّها صديقة تمتدّ معرفتي الوثيقة بها على أكثر من أربعين عاماً، بل لأنّها، وهذا هو المهمّ، نموذج خلّاق للقيادة، ولها باع طويل ومؤثّر في العمل الرياديّ، وفي الاشتباك المباشر بالجماهير، حيث تشهد أحياء عمّان الشرقيّة، على وجه الخصوص، على إسهاماتها وحفرها الطويل في عمق تلك النفوس التي تحتفظ بالودّ تجاه هذه السيّدة التي حملت لقب “مناضلة” قبل أن يتم اختيارها أمينة لحزب ديمقراطيّ يساريّ بتوجّهات اجتماعيّة.

قلت في تعليق على منشور فيسبوكيّ على صفحة الصديق المحامي والصحفيّ جمال القيسي إنّ اختيار دودين هو بمثابة “ضربة معلّم” لأنّ الحزب الواعد الذي تملؤه الأشواق والتطلّعات بأن يحتلّ مركزاً مرموقاً في سلم التنافسيّة الحزبية في الأردن يحتاج إلى شخصيّة من خارج الصندوق، ولها مصداقيّة رفيعة المستوى، وابنة أسرة سياسيّة ووطنيّة عريقة، فضلاً عن مواصفات سمر الشخصيّة، وثقافتها الواسعة (لاسيّما في المسرح والثقافة والتعليم) وقدرتها العنيدة على تطويع الصخر.

اختيار سمر دودين يحقّق، بلا مبالغة، نصف الأثر الإيجابيّ الذي يمكن أن يتحقّق للحزب الذي يستعدّ لخوض الانتخابات البرلمانيّة (التي لم يُحدّد موعدها حتى الآن!!)، على أن يكون النصف المتبقي قائماً على برنامج الحزب، وحُسن تدبيره وانتشاره، وبلاغة اختيار المرشّحين، وتقديم خطاب يقطع الصلة نهائيّاً بخطابات الأحزاب اليساريّة السابقة ذات اللغة الخشبيّة المنفصلة عن الواقع.

لست في موقع “المرشد” لكي أدلّ الرفاق على أفضل الدروب لخوض “المعركة” المقبلة، فأهل مكة أدرى بشعابها، وأدرك يقيناً أنّ في الحزب شخصيات مرموقة نظيفة التاريخ، ومقدامة، ومحنّكة، وذات روح مثابرة، بمقدورها أن تلتفت إلى المرحلة المقبلة وترصدها بعيون ذكيّة، وأن تستثمر في الشباب، وأن تتجنّب المواجهات الخاسرة؛ فكسر العظم ليس أوانه الآن. المهم إثبات الوجود بطرق خلّاقة، والاعتماد على الثورة الرقميّة في “هندسة” الانتخابات، والاستثمار في الذكاء الاصطناعيّ، كما تفعل الأحزاب العريقة في العالم، فالانتخابات أصبحت الآن صناعة، والصنّاع المَهَرة يفوزون غالباً.

كان مسار هذه الكتابة، بعد تهنئة السيّدة سمر، أن تذهب باتجاه سبر الأفكار الفلسفيّة التي أقترحُ أن يسير فيها الحزب، ولكنّ ذلك قد يكون له متابعة مفصّلة لاحقاً.

أرجو أن تستمر ضربات “المعلّم/ المعلّمين” في الحزب الديمقراطيّ الاجتماعيّ، وأن يتقدّم الحزب بخطى واثقة من أجل خلق المظلّة الواسعة لليبراليّين في الأردن، والناشطين الاجتماعيّين، ولذوي الميول والتطلّعات العلمانيّة، والذين يضيقون بالخطاب الأيديولوجيّ المنغلق، والذين لا ينشُدون الاستيلاء على المجال العام بخطابات مستلّة من قاموس الماضي. الماضي مكانه المتحف والذكريات. أمّا المستقبل فمرهون بالسواعد الماهرة، والعقول الفيّاضة بالنور والأمل والتحدّي.

شاهد أيضاً

الشرفات يكتب: العفو العام ومضامين الدستور

المملكة اليوم - حالة السِّجال النِّيابي العدمي الذي رافق مناقشة مشروع قانون العفو العام تنطلق …