الثلاثاء , 21-مايو-2024

الربيحات يكتب: هذلول ساير الغياثي الشمري

المملكة اليوم -

كلنا يعرف شيئا عن الجنرال كلوب باشا الضابط الانجليزي الذي حضر الى شرق الاردن من العراق في مطلع ثلاثينيات القرن العشرين وخبر الاردن في المراحل الأولى لتأسيس الدولة واصبح قائدا للجيش العربي الاردني الى ان جرى تعريب قيادته عام ١٩٥٦.

في بدايات وصول كلوب للامارة عام ١٩٣٠ كان همه الأول ان يضع حدا للغزو السائد بين القبائل العربية وان يخلق بيئة أمنة تكفل مرور خط البترول القادم من العراق عبر البادية الاردنية باتجاه ميناء حيفا والحد من احتمالية الاعتداء على الخط وتخريبه .

لقد كلف كلوب باشا بتاسيس قوة عسكرية اختار غالبية عناصرها من ابناء البادية لتوظيف معرفتهم بالمكان وكسب تأييد وولاء عشائرهم للدولة والنظام لتصبح نواة للقوات المسلحة الاردنية .

في فترة قياسية نجح كلوب في فهم الثقافة العربية واحسن التعامل مع البدو بعدما فهم طبائعهم وادرك القيم والمعاني التي توجه سلوكهم ونظر لها بتقدير وإعجاب .

هذه الحكمة والمهارة اكسبته حب ابناء البادية وثقتهم وتقديرهم ومكنته من ان يطوف البادية الاردنية ويعرف المزيد عن طباع وعادات أهلها ويتعامل مع رجالاتها ويجد كل المسوغات لبعض الممارسات والصفات والتهم التي الصقها البعض بهم.

في اكثر من مرة اكد الجنرال كلوب الذي خبر الصحراء وكشف أسرار سحرها ان البدوي شخص شجاع وكريم النفس وليس طماع كما يعتقد البعض بل هو معطاء حد الإسراف فهو يفرح ان يغنم لكنه يسعد بالبذل و الكرم. لا تنقصه المروءة فهو “كساب وهاب”.

في مهمة الجنرال كلوب الامنية كانت الحاجة ملحة لمعرفة الانساب والبنى الاجتماعية والتعرف على مراكز النفوذ والتأثير والتمييز بين الفرسان والفداوية …كان لكلوب باشا موهبة وشغف في استكشاف مجتمع الحويطات والصخور واقامة علاقات جدية وعميقة وراسخة مع الشيوخ والفرسان وفهم دوافع السلوك وقدسية العادات واستيعاب كل ما لدى المجتمعات البدوية من طاقة وتطلعات وتوجيهها ودمجها في بنى الدولة ومؤسساتها الناشئة …

كانت قوة البادية احد اهم المؤسسات الجديدة الدامجة التي تأسست لوقف الاعتداءات وفض الخصومات العشائرية ووقف نشاط الغزو واعمال النهب والسطو من خلال التفاهمات تارة والرقابة والرصد تارة اخرى .في تلك الفترة التي تأسست فيها القوة الامنية الجديدة ظهرت اسماء اعضاء المجموعة الأولى من عناصر قوة البادية والمؤلفة من خمسة عناصر احدهم وربما أبرزهم العريف بادية هذلول ساير الغيثي الشمري والمولود في حايل عام ١٩١٢.

كان العريف هذلول ساير الشمري اول قائد لمركز امن البادية في المدورة . وقد منحه كلوب صلاحيات واسعة في الاتصال والتنسيق والتدخل لضبط النشاط وتشديد الرقابة على المنافذ في هذه المنطقة الحدودية الفاصلة .

لم يكن هذلول ساير متعلما ولم يجد القراءة والكتابة لكنه كان صلبا حازما وحكيما دبلوماسيا في المواقف التي تتطلب المرونة وشديدا عنيدا عند كل مفصل يحتاج الى اظهار هيبة الدولة . لقد افلح في تجنيد العيون والاعوان الذين مكنوا القوة من ايقاف نشاط الغزو بين قبائل الحويطات والنجديين من ناحية والصخور مع قبائل البصرة .لقد حدث ذلك في اقل من عامين وتمكنت القوة الناشئة من جعل البادية الاردنية اكثر انضباطا وتعاونا من ذي قبل.

لم يتوقف النجاح الذي حققته قوة البادية الاردنية عند وقف الغزو وبسط نفوذ الإمارة على ارجاءها المترامية الأطراف بل تعدها الى مشاركة المجتمع وتفهم احتياجاته ودعم استمراره الاقتصادي بتدخلات بسيطة وفعالة شكلت شبكة الأمان للنسيج الاجتماعي أمام الهزات والكوارث الاقتصادية . فمع بدايات القرن العشرين كان الوضع الاقتصادي للمشرق العربي مزريا فغالبية الناس يعيشون على الرعي ولم تكن الزراعة قد عرفت الاساليب التي تمكن من يعمل بها ان يحقق الامن الغذائي ولا الوفر الذي يتيح له التفكير في تطوير نوعية الحياة .
في الكثير من الاراضي العربية كان الناس يعانون الامرين ويحاصرهم الجوع والخوف وتتفشى في اوساطهم الاوبئة والامراض التي جعلت من تجاوز الافراد لعمر الخمسين او الستين نعمة يحلم بها ابناء تلك الاجيال..
كان طول العمر امنية صعبة التحقيق ومخاطبة الكبار ب ” يا طويل العمر ” مظهر من مظاهر المحبة والود والولاء .فالناس يموتون اما جوعا او دفاعا عن ممتلكاتهم وحيازاتهم وشرفهم واعراضهم . كان الغزو اهم وسائل الكسب وأسهل الطرق للاستيلاء على ما يملكه الغير دون وازع ضمير او رادع يمنع .
على امتداد البادية كانت الارض لمن عليها والكل متورط في نزاعات او منخرط في احلاف من اجل الدفاع والردع و الحماية من الأخطار التي لا يمكن التنبؤ بوقت ظهورها ولا مدى تهديدها وخطورتها.

كانت غالبية القبائل منهمكة في اعداد وتدريب فرسانها وأفتعال النزاعات والمناسبات التي تستعرض خلالها قوتها ومهارات وشراسة المقاتلين لتحقيق الردع بمستوياته العام والخاص

باستثناء القصبات وحزمان وسهول القرى التابعة للعشائر التي احترفت الفلاحة انتشرت القبائل البدوية المهتمة بالرعي وشيء من الزراعة على امتداد مساحة شرقي نهر الاردن حيث هيمنت قبيلة الحويطات على مساحة شاسعة من الاراضي الواقعة خارج حدود قصبات المدن والبلدات الرئيسية في محافظات العقبة ومعان واجزاء من الطفيلة …في حين تقاسم الحجايا وبني عطية المناطق والمراعي على طول الخط الواصل بين جرف الدراويش ومنطقة سواقة وصولا الى أعماق الصحراء الفاصلة بين السعودية والاردن.

وفي وسط البلاد تتمدد قبيلة بني صخر على مساحات شاسعة يقع غالبيتها شرق الطريق الواصل بين سواقة وكتف وادي الموجب الشمالي وتتواصل حتى الأزرق والعمري شرقا…

وكما في الجنوب تتقاسم قبائل البادية الشمالية المنفعة بالاراضي الممتدة شرق المفرق حيث قبائل السرحان وبني خالد والمساعيد والشرفات و العظمات والزبيد والسردية والعيسى والرولة والغياث.

حالات لم تكن البلاد العربية امنة في عشرينيات القرن الماضي كان الغزو على اشده والخوف مستحكم والقوي يستولي على الضعيف جلوب الخبير العسكري الذي حضر الى شرق الاردن من العراق في عام ١٩٣٠ من اجل ان يعمل مع البدو ومن خلالهم على تامين مرور خط النفط العراقي الممتد من بغداد الى حيفا عبر الصحراء ” البادية ” الاردنية وصومن الصعب أن نتحدث عن تاريخ الاردن وتأسيس قوات البادية ووقف الغزو بين القبائل الاردنية وبقية قبائل العراق والجزيرة العربية دون أن نذكر جلوب باشا ..

لقد كان ل هذلول ساير ورفاقه الأوائل بصمة هامة على الطريقة والنهج واسلوب العمل الذي شكل ارثا مهما لقوة البادية وتعاملها مع محيطها . صحيح ان جلوب كان القائد والمنظر والخبير والموجه لكن فهم الرجال الأوائل لمجتمعهم ومراسهم لحياة البادية وامتلاكهم للجنسية الثقافية العربية مكنهم من ترجمة وإخراج التوجيهات ووضعها في ساقها الصحيح.

شاهد أيضاً

البصمات الغائبة عن جدار الزمن

المملكة اليوم - قبل أعوام خلت، كانت لدي قناعة بأننا نسينا أو تناسينا تاريخنا القريب، …