قال الباحث الاقتصادي الدكتور نبيل مرزوق إن سورية لم تستفد إلى اليوم من مغتربيها، مشيرا إلى أن المقترحات والمشاريع التي تقدموا بها في مؤتمر المغتربين الأول عبرت عن مدى تعلقهم بوطنهم ورغبتهم بتقديم ما لديهم من خبرة ومعارف لبناء وطنهم الأم.
وأكد أن عدم معرفة الحكومة السورية ماذا تريد من المغتربين وفي أي المجالات يمكن أن تسخر جهودهم جعلهم لا يستطيعون تقديم أي شيء رغم حماستهم واستعدادهم “وهذا يعني أن إمكانياتهم أهدرت مرتين، المرة الأولى عند هجرتهم والثانية عند إهمال مبادراتهم وعدم الاستفادة منها”، حسب ما ذكر موقع “خطوات سوريا”.
وأضاف الباحث خلال محاضرة ألقاها مؤخرا في دمشق وحملت عنوان “هجرة الكفاءات وأثرها على التنمية الاقتصادية” أنه تبعاً لتقديرات التقرير الوطني للسكان لعام 2008 بلغ الفارق بين المقيمين في سورية والمتمتعين بالجنسية السورية نحو 3.372 مليون شخص عام 2007 أي ما يعادل 15 بالمئة تقريباً من إجمالي السكان و”يتضح أن هذا الرقم ازداد خلال الأعوام الثلاثة الماضية نتيجة النمو البطيء المسجل في زيادة قوة العمل 2.1 بالمئة سنوياً خلال الفترة الممتدة ما بين 2005 و2008 مقابل ما يزيد عن 2.5% في القوة البشرية لذات الفترة”.
ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور سمير صارم “إن هجرة الكوادر والكفاءات العربية مشكلة يجب التوقف عندها، والبحث فيها وإيجاد السبل الكفيلة باستعادة من هاجر منها لأي سبب كان، وإصدار التشريعات والقوانين التي تقدّر هذه الكفاءات وتحترمها”.
وتُعد سورية من البلدان الطاردة للكفاءات العلمية وهي تحتل المرتبة الأولى بين الدول العربية حسب مؤشر هجرة الأدمغة المعتمد ضمن منهجية قياس المعرفة للبنك الدولي بنسبة 2.3 بالمئة للمؤشر المتدرج من 1 إلى 7 حسب التقرير العربي عن المعرفة لعام 2009.
وأوضح مرزوق أن تيارات الهجرة السورية اتجهت إلى الجوار الجغرافي القريب بالدرجة الأولى ومن ثم إلى بلدان مختارة حسب شروط العمل والتسهيلات المقدمة للمهاجرين.
وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها الدول النامية ومنها سوريا خلال نصف القرن الماضي للنهوض بمستوى التعليم وبناء كادر علمي ووطني إلا أنها ما زالت تعاني من شح الكوادر العلمية واليد العاملة المؤهلة نتيجة هجرتها المستمرة.
وقال مرزوق إن سورية مطالبة بمواجهة الظاهرة وليس تجاهلها لأن النظرية الاقتصادية ونظريات التنمية تؤكد على الدور الهام الذي يلعبه رأس المال البشري في النمو طويل الأمد والمستدام منتقداً في الوقت نفسه وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لعدم امتلاكها أية بيانات عن توزع قوة العمل السورية سواء في الدول العربية والأجنبية.
وحسب تقرير اليونسكو تقع سورية ضمن مجموعة الدول الراكدة أو المهمشة علمياً وتحتل المرتبة 25 من 26 دولة في مجال الأوراق العلمية المنشورة في دوريات محكمة، وتحتل نتيجة ذلك مرتبة متدنية في ترتيب التنافسية العالمية وفي مجال الصادرات عالية التقانة، ويحرمها هذا الوضع من إمكانات تطوير التعليم والإدارة ويضعف قدرتها الاستيعابية لعملية نقل التكنولوجيا إضافة إلى إضعاف القدرة الإنتاجية بشكل عام وينعكس ذلك بضعف جذبها للاستثمار الأجنبي المنتج.
وقال وزير المغتربين السوري جوزيف سويد قبل أيام إن “الاغتراب السوري بإمكانياته وطاقاته يعتبر شريكاً هاماً في العملية التنموية التي تشهدها سورية”.
وأشار خلال افتتاح دار الأشعة في مشفى القلمون الذي نفذه أبناء الجالية السورية في الكويت إلى أن “وزارة المغتربين تعمل على ربط المغتربين ببرامج التنمية الوطنية” ، واعتبر أن “المشاريع التي ينفذها المغتربون السوريون أضحت ملحوظة”, مشيراً في ذات الوقت إلى أن “بناء مشفى القلمون بتمويل وخبرات أبناء الجالية يعكس مساهمة الاغتراب السوري بالعملية التنموية”.
غير أن البعض يرى أن القوانين السورية الخاصة بالمغتربين مازالت غير مفعّلة بشكل جيد، مشيرا إلى أن انتشار الفساد والمحسوبيات في بعض القطاع الحكومية يحول دون الاستفادة من الأفكار التي يقدمها المغتربون السوريون وبالتالي يعيق تنفيذ مشاريعهم ويحرم الدولة من إمكانيات كبيرة قد تساهم بشكل كبير في نمو الاقتصاد السوري.
ويتواجد في بلاد الاغتراب أعداد كبيرة من المغتربين السوريين يعملون بمختلف مجالات الحياة كالتجارة والطب, ويساهم الأطباء المغتربون بنقل خبراتهم في المجال الطبي إلى سورية عبر مشاركتهم لخبراتهم مع الأطباء المحليين.
ويقول صارم “إن من أبسط ما يجب القيام به إذا كنا نريد لهذه الكوادر أن تبقى على أرض بلادها وأن تساهم في تنميتها، توفير المناخات المناسبة التي تساعدها على البقاء، سواء في المجال العلمي الذي يساعدها على استمرار العمل والإبداع، أو إعطائها ما تستحق مقابل الجهد الذي تبذله، وأيضاً لا تبعدها عن المجال الذي يجب أن تعمل فيه”.
ويضيف “وفي مثل هذه الحالة الأخيرة يمكننا وفي كل الدول العربية دون استثناء أن نجد الكثيرين في غير مواقعهم التي تخصصوا بها، لذلك يفضلون الهجرة، بل الهرب إلى بلدان يتم فيها احترامهم وتقدير إمكانياتهم، وتوفير الظروف التي تساعدهم على الاستمرار في الإبداع والإنتاج”.
ويتابع “أما إذا أردنا استعادة نظرية المؤامرة في هذا المجال فيمكننا إضافتها كسبب آخر وإسقاطها بالتالي على حالات الهجرة العديدة القائمة، حيث توفر دول الغرب الكثير من عوامل الإغراء والجذب للكفاءات العربية وسواها من كفاءات الدول النامية لإبقائها متخلفة علميا وبالتالي تنمويا، وفقيرة تستمر تتطلع إلى دول الغرب لإمدادها بالتكنولوجيا وما تحتاجه من أجل البقاء على الأقل”.
عن موقع ميدل إيست أون لاين